الورد الشامي.. حكاية تهجير تحولت إلى مشروع حياة
بقفازين سميكين يحميان يديها من أشواك الورد، تتنقل صابرين 40 عاما بين الشجيرات في حقلٍ غربي إدلب. نزحت من ريف معرة النعمان، والورد الذي تقطفه نزح هو الآخر: جاء من ريف دمشق مع المهجّرين.

مع انطلاق الثورة في سوريا، وخلال عملية تهجير نظام الأسد لسكان من ريف دمشق إلى شمال غربي سوريا. لم يحمل الأهالي ذكرياتهم المؤلمة وأحزانهم فحسب. بل اقتلعوا في طريقهم جذرا من نبتة. عرفت باسمهم، وأصبحت مشروعا زراعيا ناجحا وصلة وصل بين المنطقتين. إذ تروي لنا أم عدنان مهجرة من ريف دمشق أن أبوأحمد، مهجر من داريا هو أول من حمل معه شتلات الورد الشامي وغرسها في كللي عام 2017.” حينها علَم سكان المنقطة كيفية زراعة الورد”. ومن بينهم زيد.
يتنقل زيد أبو أسامة من سكان بلدة كللي غربي مدينة إدلب في أرضه، يتجول بين النساء العاملات ويتابع عملية القطاف وجمع المحصول، بينما يقوم كل واحد بمهامه فمنهم من يجمع بتلات الأزهار، ومنهم من يضعها في أكياس النايلون مؤقتا استعدادا لتجهيزها للتسويق. وآخرون منشغلون بتحميلها إلى سيارة النقل.
بدأ أبو أسامة مشروعه عام ٢٠٢٢ تجربةً على خمسة دونمات، ثم توسّع بعدما لمس جدواها.لتصل مساحة حقله ثلاثة هكتارات. إذ يصل يصل إنتاج الدونم إلى نحو أربعة أطنان سنويا في المواسم الجيدة. مقدراً متوسط الأرباح بما يقارب 500 دولار للدونم الواحد خلال العام. ويوفّر الحقل اليوم دخلًا لأكثر من ٢٥ عاملًا وعاملة، يعملون طوال موسم الإنتاج الممتد من منتصف نيسان حتى تشرين الثاني، لقاء ٤٠ ليرة تركية عن ساعة العمل؛ نحو دولار واحد.
مع بزوغ الفجر تحضر فريق العمال إلى الحقل، يبدأ القطاف حتى تشتد حرارة الشمس ثم يعود العاملون إلى منازلهم لأخذ قسط من الراحة وتناول الطعام والقيام بواجباتهم المنزلية، ومن ثم يعودون إلى القطاف عند الساعة الثالثة عصراً حتى مغيب الشمس.

داخل حقل أبو أسامة وبينما تتوزع العاملات بين شتول الورد، تضع صابرين قبعة سوداء فوق رأسها علَها تحميها من وهج الظهيرة وتخفي وجهها بوشاح رقيق، تتحرك بخفة بين أغصان شجيرات الورد. تلتقط البتلات بمهارة عالية فقد اعتادت هذا العمل لأربعة مواسم متتالية، تشير بيدها إلى طرف الحقل حيث تسكن مع عائلتها.
من لم يجربه، يبدو العمل في القطاف من بعيد كما لو كان نزهةً بين زهور متفتحة. من قريب، إنه عمل بين الأشواكٌ وتحت الشمس ولساعاتُ انحناء طويلة. «العمل صعب»، تقول صابرين، لكنها لا تملك التخلي عنه: «زوجي مريض ديسك ولا يستطيع الحركة. يجب عليّ أن أعمل داخل البيت وخارجه كي لا يحتاج أطفالي لأحد».
إلى جانبها، يحمل ابناها أحمد (11 عاما) وعمر (13 عاما) سطلين ويقطفان معها. «أصبح بإمكان أطفالي مساعدتي»، تقول صابرين بارتياح؛ فصاحب الأرض يدفع لهما أجرة العامل البالغ كاملةً. يعمل الطفلان في الحقل (خارج أوقات المدرسة)، في منطقة يدفع فيها النزوح وغياب المعيل كثيرًا من الأطفال إلى سوق العمل.
أصل الورد الشامي
وإذا كانت الثورة حملت الورد الشامي إلى إدلب مع المهجرين، فجذوره الأولى لا تزال راسخة بين أودية قرية المراح في القلمون الوسطىَ
على بعد نحو ١٨ كم من النبك في ريف دمشق، حيث تزرع الوردة في الهضاب والوديان ويحيط بالمنطقة سلسلتا جبال من الطرفين الجنوبي والشمالي. هناك يعيش عبد الحميد باكير (٧٣ عاما)، مزارع وعضو في جمعية الورد الشامي، لديه ١٨ دونم مزروعة بالورد. بدأ يولي اهتمامه بها بعد عودته من الهجرة لسنوات خارج سوريا. يقول: “رافقتني هذه المصلحة منذ نعومة أظافري ولكنني أوليتها اهتماماً خاصاً في السنوات العشر الأخيرة”.
يضيف باكير:”ورثنا المصلحة من أجدادنا إذ كاد لا يخلو منزل في القرية من زراعتها رغم عدم التوسع بالمشاريع خلال سنوات الحرب إلا أن الوردة حافظت على وجودها”. يروي لنا بأنه عقب عودته إلى سوريا عام ٢٠١٥ جدد الحقول وأعاد تأهيلها وزرع حقلين إضافيين. واليوم يستخرج ماء الورد وشراب الورد وزيت الورد عدا عن البتلات والأزرار التي يتم تجفيفها.
بالنسبة لباكير فإن عمله في هذه المهام لا يشكل له عبئا رغم تقدمه في السن. بل على العكس تماما، فهو يسخر طاقته كاملة للعناية بالمحصول. وفي كل مرحلة من المراحل التي تمر بها الشجيرات، تساعده زوجته بذلك بدءا من شهر تشرين الثاني. لكن سنوات الحرب الطويلة والجفاف عدا عن استيلاء النظام على مساحات واسعة دفع بعض أهالي القرية إلى الهجرة خارج البلاد أو النزوح لأماكن أكثر استقرارا.
“كنا نخاف من الذهاب إلى البرية والحقول لاحتمالية تعرضنا للقنص” تقول زوجة باكير. الأمر الذي دفع قسما كبيرا من الناس إلى العزوف عن الزراعة أو الابقاء على مساحات قليلة محيطة بالمنازل بعد تيبس قسم كبير من الأراضي.
يخبرنا القائمون على جمعية الورد الشامي في قرية المراح بريف دمشق أن نشاط الجمعية يركز على تقديم الدعم اللازم للمزارعين من تأمين المياه للسقاية والفلاحة بأجور رمزية وتعمل على استقطاب خبراء مختصين لتوعية الفلاحين بضرورة تأمين الرعاية المحصول وتسويقه. فالورد لديهم يتجاوز كونه محصولًا زراعيًا، بل يشكل جزءًا من الهوية التراثية لسكان المنطقة، كما يعتمد عدد من الأسر بشكل رئيسي على موسمها في تأمين دخلهم من خلال إنتاج زيت الورد ومائه والمربيات، عدا عما يوفره الموسم من فرص عمل موسمية للنساء والرجال معاً.(النساء للقطف والفرز، الرجال للنقل والتقطير).
تحديات متزايدة
تواجه هذه الزراعة اليوم تحديات متزايدة، أبرزها ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج والمحروقات، وصعوبة تأمين مياه الري، وضعف التسويق الخارجي، إلى جانب تراجع بعض الحرف التقليدية المرتبطة بها، مثل التقطير باستخدام الأجهزة التقليدية مرتفعة الكلفة ” أجور الفلاحة مرتفعة وثمن نقل المياه للسقاية مكلف جدا، نحتاج دعما حكوميا لتنشيط هذه الزراعة ودعم المزارعين” يقول محمد ناصيف رئيس الجمعية ولديه حقل ورد أيضا.
ووفق بيانات الجمعية، تبلغ المساحة المزروعة بالوردة الشامية حاليًا نحو ١٥٠٠ دونم، مع توقعات بإنتاج ٢١ طنًا خلال الموسم الحالي، فيما تضم الجمعية ١٢٧ مزارعًا، وتقدم لهم خدمات وبرامج إرشادية ينفذها خبراء ومختصون لدعم المزارعين وتحسين إنتاجهم.
مراحل العناية بالورد
ينتظر باكير وزوجته هطول الأمطار نهاية كل فصل خريف من أجل حراثة الأرض و تقليم الشجيرات ونزع الأغصان المتيبسة منها، وعقب ذلك ترش بالمبيدات الحشرية في شهر شباط، ثم تترك الأرض حتى ترتوي من مياه الأمطار الشتوية وفي حال كانت الأمطار شحيحة كما حدث في السنوات الثلاث الأخيرة . حيث يلجأ البعض إلى سقايتها بالري التكميلي من خلال الآبار الارتوازية وذلك في شهر نيسان بحسب ما أخبرانا به.

امتد الشتاء هذا العام، فتأخر الورد. لم يبدأ القطاف في المراح إلا أواخر أيار، وانتهى منتصف حزيران، كما يقول باكير. وحين ينتهي، يفترق المحصول طريقين: قلة من المزارعين — باكير وبعض جيرانه — يقطّرون ماء الورد في بيوتهم، والبقية يبيعون البتلات والأزرار لسماسرة يعرفهم كل مزارع بالاسم، تمضي بها شاحناتهم إلى سوق البذورية في دمشق، أو أبعد: خارج البلاد.
طقوس القطاف
تنشغل القرية مع بدء قطاف الموسم المنتظر الذي يعتبرونه إرثا تاريخيا أكثر منه محصولاً زراعياً يستنفر الجميع، ويساعد الأقرباء بعضهم في مهام جني الموسم. يتركز الزيت العطري في الورد فترة قبل الشروق بشكل عالي وهذا ما يميز الصنف الموجود لديهم. عدا عن مناخ وتضاريس المنطقة و نوع التربة،
يحمل كلٌ عامل وعاءه البلاستيكي، فإذا امتلأ أفرغه في كيس من الخيش. النسيج الخشن بفراغاته الصغيرة يسمح للهواء بالمرور، فيبقى الورد حيًّا في الظل الرطب للكيس حتى يصل إلى البيوت. وهنا تختلف طريقة جمع المحصول عما يقوم به المزارعون في ريف إدلب إذ توضع لديهم في أكياس خيش عند الرغبة بشحنها خارج المحافظة فقط.
تُجلب البتلات إلى المنازل ويُترك الورد ليستريح قليلًا، ثم يُغربل من الشوائب ويوضع في وعاء نحاسي يسمى «القاظان». يتسع القاظان لخمسة عشر كيلوغرامًا من الورد وأربعين لترًا من الماء، ويُغلى المزيج ست ساعات. والقاظان أشبه بطنجرة بخار، غير أن أنابيب نحاسية تصل بخاره إلى جهاز تبريد، فيتكثف خمسة عشر لترًا من ماء الورد المقطر.
ولأول مرة منذ سنوات، وجد ورد المراح طريقه إلى خارج سوريا. فبعد سقوط النظام وانفتاح طرق التصدير نحو دول الخليج ولبنان، ارتفعت الأسعار عمّا كانت عليه في سنوات الحرب، حين انحصر البيع في السوق المحلية بأسعار زهيدة كبّدت المزارعين خسائر كبيرة. هذا الموسم، بيع [الكيلوغرام ] من الأزرار بنحو ٢٥٠ ألف ليرة سورية [~20 دولارًا]، والبتلات بـ٤٥ ألفًا، وماء الورد بـ٨٠ ألفًا لكل لتر، وشراب الورد بـ٨٥ ألفًا، وفق باكير.

لا تقتصر فوائد الورد على كونه مصدرا للمال، بل يدخل في صناعة متنوعة كالمربيات والشراب وماء الورد والعطور، إضافة إلى مواد التجميل وتزيين المناسبات، إذ أصبح اليوم قاسما مشتركا بين دمشق و إدلب، ليبقى عبق هذه الزراعة مرتبطا بذكر أهالي ريف دمشق.