مبادرة مدنية لمواجهة المخاطر التي تهدد الأطفال في الشارع

في أحد الأحياء، حيث تتقاطع الطرقات مع قصص لم تُروَ بعد، بات وجود الأطفال في الشوارع مشهداً متكرراً، يحمل في طياته مؤشرات مقلقة تتجاوز مجرد الفقر أو التشرد. ومع تزايد هذه الظاهرة، بدأت أصوات شبابية تتحرك، محاولة فهم ما يحدث، والاستجابة له بإمكانات محدودة لكن بإرادة واضحة.

ضمن هذا السياق، أطلق فريق “ملتقى سوريا الجديدة” مبادرة مجتمعية تهدف إلى دعم الأطفال المعرضين للمخاطر في الشارع، عبر مجموعة من الأنشطة التوعوية والترفيهية، والعمل مع الأهالي والمدارس ومراكز رعاية الأطفال، في محاولة للحد من الانعكاسات السلبية لهذه الظاهرة.

تقول ضحى العبد الله، إحدى العضوات المشاركات في المبادرة، إن الفكرة لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة ملاحظة يومية لواقع بات يتكرر بشكل لافت. وتضيف: “كنا عم نشوف أطفال بالشارع بشكل مستمر، بعضهم بلا رقابة، وبعضهم عم يتعرض لمخاطر كبيرة، فقررنا نحاول نعمل شي، حتى لو بسيط”.

وتوضح أن الفريق بدأ أولى خطواته بعقد جلسات نقاش وتخطيط، لوضع أهداف واضحة للمبادرة، وتحديد الفئات المستهدفة، إضافة إلى تصميم أنشطة تتناسب مع احتياجات الأطفال وظروفهم. “اشتغلنا على فكرة إنو ما يكون تدخلنا بس توعوي نظري، بل يكون فيه جانب تفاعلي وترفيهي، لأن الأطفال بهيك ظروف بحاجة لمساحة آمنة قبل أي شي”، تقول ضحى.

تعتمد المبادرة على تنظيم جلسات توعية موجهة للأطفال والأهالي، تتناول المخاطر التي قد يتعرض لها الأطفال في الشارع، إلى جانب جلسات ترفيهية تهدف إلى خلق بيئة أكثر أماناً لهم، وتشجيعهم على التفاعل ضمن إطار إيجابي. كما يسعى الفريق إلى التنسيق مع المدارس ومراكز رعاية الأطفال، لضمان استمرارية الدعم وعدم اقتصاره على أنشطة محدودة.

في حديث مع عدد من أفراد المجتمع، برزت آراء مختلفة تعكس حجم القلق من هذه الظاهرة. تقول أم أحمد، وهي إحدى الأمهات في الحي، إن “وجود الأطفال بالشارع لفترات طويلة صار شي طبيعي، بس بنفس الوقت هو خطير جداً، لأنو الطفل ممكن يتأثر بأي شي حواليه”. وتضيف أن مثل هذه المبادرات “مهمة لأنها بتوعّي الأهالي كمان، مو بس الأطفال”.

من جهته، يرى أحد سكان المنطقة أن المشكلة أعمق من مجرد سلوكيات فردية، مشيراً إلى أن “الوضع الاقتصادي الصعب عم يدفع كتير من العائلات لترك أطفالها بالشارع، سواء للعمل أو لأي سبب تاني، وهذا الشي بيخلّيهم عرضة لمخاطر كبيرة”.

ولا تقتصر أهمية المبادرة على الأنشطة التي تقدمها، بل في كونها محاولة لتنظيم استجابة مجتمعية لمشكلة متنامية، في ظل محدودية البرامج المتخصصة الموجهة لهذه الفئة. فغياب المساحات الآمنة، وضعف الوصول إلى خدمات الدعم، يترك الأطفال في مواجهة بيئة غير مستقرة، قد تؤثر على سلوكهم ومستقبلهم.

تؤكد ضحى العبد الله أن الفريق يدرك محدودية قدرته على معالجة المشكلة بشكل كامل، لكنه يسعى إلى إحداث فرق، ولو كان بسيطاً. “نحنا ما عم نقول إنو رح نحل المشكلة، بس عم نحاول نخفف منها، ونخلق وعي، ونوصل رسالة إنو هاد الموضوع مهم ولازم ينحكى فيه”، تقول.

ويخطط الفريق لمتابعة العمل خلال الفترة القادمة، عبر توسيع نطاق الأنشطة، وبناء شراكات مع جهات محلية، بما يساهم في تعزيز استدامة المبادرة وتوسيع أثرها.

في خلفية هذا المشهد، تبقى معاناة الأطفال في الشارع واحدة من أكثر القضايا تعقيداً، إذ ترتبط بعوامل متعددة، منها الفقر، والتفكك الأسري، والنزوح، وغياب الخدمات. وفي ظل هذه الظروف، يصبح الأطفال أكثر عرضة لمخاطر متعددة، تتطلب استجابة متكاملة تتجاوز الجهود الفردية.

ومع ذلك، تكشف هذه المبادرات عن جانب آخر من الصورة، حيث يتحرك المجتمع، ولو بإمكانات محدودة، لمحاولة حماية أطفاله، وخلق بدائل ممكنة في واقع مليء بالتحديات.

في نهاية المطاف، قد لا تكون هذه الجهود كافية بمفردها، لكنها تعكس بداية ضرورية، تؤكد أن التغيير يمكن أن يبدأ من مبادرة صغيرة… وأن حماية الأطفال مسؤولية لا يمكن تأجيلها.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى