من الخيط الى الدخل: نساء معيلات ينسجن سبل العيش معاً
في غرفة بسيطة تتوسط مخيمات شمال إدلب، تجلس مجموعة من النساء حول بعضهن البعض، تتداخل بين أيديهن خيوط الصوف وألوان الأقمشة، في مشهد يبدو هادئاً من الخارج، لكنه يخفي وراءه قصة مقاومة يومية للظروف الاقتصادية القاسية.
هذه المجموعة ليست ورشة عمل تقليدية، بل مبادرة أطلقتها نساء معيلات، وجدن أنفسهن أمام مسؤوليات كبيرة دون مصادر دخل كافية، فقررن أن يخلقن فرصة عمل بأيديهن، عبر حياكة المنسوجات اليدوية وبيعها بشكل جماعي.
تقول أم أحمد، إحدى المشاركات في المبادرة، إن الفكرة بدأت بشكل بسيط جداً: “كنا نجتمع أحياناً ونعمل شغل يدوي، وبعدين فكرنا… ليش ما نحوله لشغل نبيع منه؟”. تضيف أن الحاجة كانت الدافع الأساسي، “كل وحدة فينا عندها عيلة ومسؤوليات، وما في فرص عمل.”
اليوم، تعمل النساء بشكل جماعي، حيث تتوزع الأدوار بينهن، فبعضهن يقمن بالحياكة، وأخريات يهتممن بتجهيز الطلبات أو تسويق المنتجات داخل المجتمع المحلي. هذا التنظيم البسيط مكّنهن من الاستمرار، رغم محدودية الإمكانيات.
توضح سعاد محمد، وهي مشاركة أخرى، أن العمل لم يكن فقط لتأمين دخل، بل كان له أثر نفسي أيضاً: “كنا قاعدين بالبيت وضغط الحياة كبير، هاد الشغل خلانا نحس إنو في شي بإيدنا نعمله”. وتشير إلى أن اللقاءات اليومية بين النساء خلقت مساحة دعم متبادل، “صرنا نساعد بعض، مو بس بالشغل، حتى بالحياة.”

المنتجات التي تصنعها النساء تتنوع بين المفروشات المنزلية، والملابس الصوفية، ويتم بيعها عبر معارفهن أو في مناسبات محلية صغيرة، في محاولة لتوسيع دائرة الزبائن تدريجياً.
لكن الطريق لم يكن سهلاً. تقول هناء علي إن أكبر التحديات التي تواجههن هي تأمين المواد الأولية وتسويق المنتجات: “أحياناً نشتغل ونخلص القطع، بس ما نلاقي مين يشتري بسرعة”. ومع ذلك، تؤكد أنهن مستمرات، لأن “التوقف يعني الرجوع لنقطة الصفر.”
ورغم هذه التحديات، بدأت بعض ملامح التغيير تظهر. فالدخل، وإن كان بسيطاً، ساعد العديد منهن على تغطية جزء من احتياجات أسرهن، كما منحهن شعوراً بالاستقلالية والقدرة على الاعتماد على النفس.
تقول أم أحمد: “مو مهم قديش الدخل كبير، المهم إنو إحنا عم نشتغل ونحاول، وعم نبني شي بإيدنا.”
في هذه التجربة، لا يبدو العمل مجرد حرفة، بل شكل من أشكال التنظيم المجتمعي، حيث تجتمع النساء حول هدف مشترك: تأمين سبل العيش، ودعم بعضهن البعض، وإثبات أن الحلول يمكن أن تبدأ بخيط… ثم تكبر
