التوعية البيئية من الصفوف المدرسية إلى المجتمع: مبادرة للبرنامج السوري للتغير المناخي تُحدث تحولاً سلوكياً في مدارس حلب

في إحدى مدارس مدينة حلب، لم تعد ساحة المدرسة مجرد مساحة للاستراحة بين الحصص الدراسية، بل تحوّلت إلى نموذج عملي يعكس تغيراً سلوكياً ملحوظاً يقوده الطلاب أنفسهم. فبعد تنفيذ مبادرة “من أجل بيئة أفضل” التي أطلقها البرنامج السوري للتغير المناخي، بدأت ملامح التحول تظهر تدريجياً، من انخفاض ملحوظ في تراكم النفايات داخل الساحات، إلى التزام الطلاب بفرزها ضمن حاويات مخصصة، بما يعكس تنامي الوعي البيئي داخل البيئة المدرسية.

جاءت هذه المبادرة استجابة لمشكلة يومية متكررة في عدد من المدارس، تتمثل في انتشار النفايات وضعف الممارسات البيئية السليمة لدى الطلبة. وتشير إحدى المعلمات المشاركات في تنفيذ الأنشطة إلى أن “القمامة كانت تتراكم في زوايا المدرسة، ولم يكن هناك التزام حقيقي باستخدام الأماكن المخصصة لها، إلا أن بدء الأنشطة التوعوية والعملية ساهم في تغيير هذا الواقع بشكل واضح خلال فترة قصيرة”.

اعتمدت المبادرة على منهجية تعليمية تفاعلية تجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، حيث شملت أنشطة متنوعة مثل حملات تنظيف دورية، وعروضاً مسرحية تعليمية، وجلسات نقاش تفاعلية داخل الصفوف، إضافة إلى مسابقات بيئية تحفّز روح المبادرة لدى الطلاب. هذا التنوع في الوسائل ساعد في إيصال المفاهيم البيئية بطريقة مبسطة وفعّالة، وأسهم في تحويل الطلاب من متلقين سلبيين للمعلومة إلى شركاء فاعلين في تطبيقها على أرض الواقع.

وفي هذا السياق، أكدت المهندسة بيان فقيه، أحد القائمين على تنفيذ المبادرة في البرنامج السوري للتغير المناخي، أن التوعية البيئية تمثل حجر الأساس في أي جهد يهدف إلى إحداث تغيير مستدام، موضحة أن:
“دورنا الأساسي في البرنامج السوري للتغير المناخي يتمثل في رفع مستوى الوعي البيئي لدى الأفراد والمجتمعات، ومن هنا جاءت فكرة البدء بالتوعية من الصفوف المدرسية، باعتبار أن المدرسة هي البيئة الأولى التي يمكن من خلالها غرس السلوكيات الإيجابية لدى الأجيال الناشئة. نحن نؤمن أن الاستثمار في وعي الأطفال اليوم هو استثمار طويل الأمد في مستقبل أكثر استدامة، حيث يتحول الطالب إلى عنصر فاعل داخل أسرته ومجتمعه، وينقل ما يتعلمه إلى محيطه الاجتماعي، ما يخلق دائرة تأثير متسعة تتجاوز حدود المدرسة نفسها”.

وتضيف المهندسة فقيه أن المبادرة لم تقتصر على تقديم معلومات نظرية حول النظافة والبيئة، بل ركزت على بناء سلوك عملي مستدام، من خلال إشراك الطلبة في أنشطة يومية تعزز إحساسهم بالمسؤولية الجماعية تجاه البيئة، مؤكدة أن “نجاح أي مبادرة بيئية لا يُقاس بعدد الأنشطة المنفذة فقط، بل بمدى استمرار الأثر السلوكي لدى المشاركين بعد انتهاء المبادرة”.

من جانبهم، عبّر الطلاب عن انعكاس هذه المبادرة على سلوكهم اليومي. وتقول إحدى الطالبات إن “السلوك الجيد في الحفاظ على نظافة المدرسة انعكس على رغبتها في القدوم إلى المدرسة بحماس أكبر، وساهم في تعزيز شعورها بالانتماء إلى البيئة المدرسية”. وتشير إلى أن شعورهم بأهمية مشاركتهم في الحفاظ على النظافة أسهم في زيادة مستوى التفاعل والاستجابة بين الطلاب.

ومع نهاية المرحلة الأولى من تنفيذ المبادرة، لم يقتصر أثرها على مستوى التوعية النظرية، بل تُرجم إلى تغييرات ملموسة داخل المدرسة، أبرزها تخصيص حاويات واضحة لفرز النفايات، واعتماد آليات متابعة من قبل إدارة المدرسة لرصد سلوك الطلاب وتعزيز الالتزام بالممارسات البيئية السليمة. كما أفادت إدارة المدرسة بأن كمية النفايات العشوائية داخل الساحات انخفضت بشكل ملحوظ، في حين أصبح الطلاب أكثر وعياً عند التخلص من النفايات.

وتشير شهادات الطالبات إلى أن المبادرة ساهمت في إعادة تشكيل فهمهن لمفهوم النظافة، حيث أوضحت إحدى الطالبات أن “الموضوع لم يعد شكلياً فقط، بل أصبح مرتبطاً بصحتنا وصحة البيئة المحيطة بنا”، بينما أكدت أخرى أن المسؤولية لم تعد مقتصرة على عمال النظافة، بل تحولت إلى مسؤولية جماعية يتشارك فيها جميع أفراد المدرسة.

ولم يتوقف أثر المبادرة عند حدود البيئة المدرسية، بل امتد إلى خارجها، حيث أشارت إحدى المعلمات إلى أنها نقلت تجربة المبادرة إلى طلاب في مدرسة أخرى، وشجعتهم على تطبيق الممارسات ذاتها، ما يعكس بداية تشكّل وعي بيئي متنامٍ يمتد تدريجياً إلى المجتمع المحلي.

كما أسهمت المبادرة في تعزيز روح التعاون والعمل الجماعي بين الطلاب، ووفّرت مساحة آمنة للنقاش والتعبير عن الأفكار والمبادرات، دون تسجيل أي توترات أو مشكلات سلوكية، في بيئة وصفتها المشاركات بأنها مشجعة ومحفّزة على المشاركة الإيجابية.

تقدم هذه التجربة نموذجاً عملياً لكيف يمكن لمبادرات مجتمعية وتعليمية موجّهة أن تُحدث تحولاً ملموساً في السلوك البيئي، عندما تُبنى على أسس علمية وتشاركية، وعندما يُمنح الأفراد، وخاصة فئة الأطفال واليافعين، فرصة حقيقية للمشاركة والتعبير والمساهمة في تحسين بيئتهم. كما تعكس المبادرة توجهاً متزايداً نحو دمج التوعية البيئية ضمن العملية التعليمية، بوصفها مدخلاً أساسياً لبناء جيل أكثر وعياً واستجابة للتحديات البيئية التي تواجه المجتمعات في الحاضر والمستقبل.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى