داخل المخيم… نساء يخلقن مساحة تعليم ودعم رغم النزوح

تحت خيمة مهترئة في أحد مخيمات النزوح في منطقة عفرين، تجلس مجموعة من النساء والفتيات في حلقة صغيرة، يتعلّمن القراءة والكتابة، ويتشاركن الحديث في مساحة تبدو مختلفة عن قسوة الواقع المحيط. في مكان يفرض فيه النزوح عزلة قاسية، اختارت مجموعة من النساء أن تتحرك، وأن تصنع بجهدها مساحة بديلة للتعلم والدعم.

في مخيمات عفرين شمال غرب سوريا، حيث لا تزال الخيام تأوي آلاف النازحين بعد سنوات من النزوح القسري، أطلقت مجموعة نسوية محلية تُعرف باسم “نسوة” مبادرة تطوعية تستهدف النساء والفتيات داخل المخيم، في محاولة لتعويض سنوات الانقطاع عن التعليم، وتقديم دعم نفسي بسيط يساعدهن على التكيّف مع ظروف النزوح.

تقول سلام محمد، إحدى المشاركات في المبادرة، إن الفكرة بدأت من ملاحظة الاحتياج داخل المخيم، خاصة بين النساء اللواتي فقدن فرص التعلم أو انقطعن عنه. وتضيف: “نحن لا نقدّم تعليماً فقط، بل نحاول أن نخلق مساحة آمنة للنساء والفتيات، يحكوا فيها، ويتعلّموا، ويطلعوا شوي من الضغط اللي عايشينه.”

وتوضح سلام أن الجلسات تتضمن تعلّم القراءة والكتابة، إلى جانب أنشطة دعم نفسي بسيطة، مثل الحوار الجماعي والتعبير عن التجارب، مؤكدة أن هذه اللقاءات “تساعد كثيراً في تخفيف الشعور بالعزلة والخوف.”

وتأتي هذه المبادرة في سياق واقع نزوح مستمر، إذ لا تزال أعداد كبيرة من السوريين تعيش في المخيمات، رغم التغيرات السياسية. ووفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يعيش نحو 1.6 مليون شخص في مخيمات داخل سوريا، غالبيتهم من النساء والأطفال، في ظل غياب شروط العودة الآمنة، من مساكن وخدمات وفرص عمل.

بالنسبة لكثير من العائلات، لا تزال العودة خياراً غير ممكن. فالمنازل مدمّرة أو تفتقر إلى الخدمات الأساسية، ما يجعل البقاء في المخيم، رغم قسوته، خياراً أقل خطورة. وفي هذا الواقع، تصبح المبادرات المحلية الصغيرة ضرورة يومية، لأنها تستجيب لحاجات فعلية ومباشرة.

تقول إحدى المشاركات في الجلسات إن هذه المساحة أعادت لها شعوراً كانت قد فقدته منذ سنوات: “صرنا نجي لهون مو بس لنتعلم، كمان لنحس إنو في حدا عم يسمعنا.”

تعتمد المبادرة على جهود تطوعية بالكامل، حيث تتقاسم النساء الأدوار بين التعليم، وتنظيم الأنشطة، وتوفير المواد البسيطة. ورغم محدودية الإمكانيات، تستمر الجلسات بشكل منتظم، في محاولة للحفاظ على هذا الحيّز الآمن داخل بيئة قاسية.

في مخيمات الشمال السوري، حيث لا تزال العودة مؤجلة، لا تنتظر النساء الحلول، بل يصنعنها بأنفسهن. مبادرة بسيطة، لكنها تعبّر عن شكل واضح من أشكال الحراك المدني، حيث تتحول النساء من متلقيات للمساعدة إلى فاعلات، يخلقن مساحات للتعلم والدعم… وسط كل هذه المعاناة.

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى