إعزاز بين الحياة والعودة… عيون تشتاق وأيادٍ تبحث عن بداية

بعد سنوات من الغربة والرحيل القسري عن الوطن بدأ الكثير من السوريين العودة إلى وطنهم، محمّلين بذكريات ثقيلة وأحلام معلقة على أعتاب الأمل بعضهم حمل معه شوقه المتراكم ودفىء الحنين ليعود إلى أحضان أهله، وآخرون عادوا وفي عيونهم رغبة في أن يجدوا لوطنهم وجهاً جديداً يليق بتضحيات السنين الطويلة، آملين أن تتحوّل أيام الغربة إلى فصل انتهى من حياتهم ينتظرون ساعته الموعودة التي تعلن تمام العودة

شهدت مدن وبلدات سورية كثيرة موجات عودة هؤلاء المغتربين، ممن ضاقت بهم دروب الاغتراب أو أثقلتهم ظروف المعيشة بعيداً عن بلادهم وكانت مدينة إعزاز في ريف حلب الشمالي واحدة من أبرز محطات العودة، ليس فقط باعتبارها ملاذاً جغرافياً آمناً، بل لأنها صارت تجمع في طرقاتها وأحيائها قصص آلاف السوريين الذين تهجّروا من مناطق متفرقة، قبل سقوط النظام وبعده بعضهم خرج منها بحثاً عن فرصة عمل، وبعضهم بقي فيها لإنتظار ماتبقى من ترميم منزلهم وإعادة الحياة لبلدتهم

في شوارع إعزاز تتقاطع قصص العودة مع ملامح التعب والحنين، ويختلف القادمون في تفاصيل تجاربهم لكن يجمعهم خيط رفيع من الأمل بأن يكون الوطن رغم كل شيء هو الحضن الأرحب، ومن بين هؤلاء العائدين تنقل لنا أسماء ذات الستة عشر عاماً تفاصيل تجربتها في رحلة العودة إلى سوريا بعد ست سنوات أمضتها في تركيا، متحدثة عن إحساسها بالتناقض بين فرحتها بالرجوع إلى وطنها الذي تنتمي إليه، وبين المشاهد العالقة  في ذاكرتها من دمار وقصف، إلا أنّ هذه الصورة القاتمة لم تدم طويلاً، إذ وجدت في مدينة إعزاز ما يشبه تركيا من حيث الشوارع والاسواق والتنظيم، الأمر الذي ساهم في شعورها بالاطمئنان والراحة النفسية ، حيث تعيش أسماء حالياً في إعزاز إقامة مؤقتة في انتظار استكمال بناء منزل عائلتها الذي تهدم بفعل القصف على منطقة خان العسل بينما يصبح صالحاً للسكن

وعلى الصعيد الاجتماعي فقدت أسماء أصدقائها وبعض أقاربها الذين بقوا في تركيا، وهو ما يترك لديها شعوراً دائماً بالحنين وعلى الرغم من ذلك، تؤكد بقولها ) : لو عادت الأيام إلى لحظة اتخاذ قرار العودة، لكنت أول من يشجع والدي على العودة إلى سوريا ( خصوصاً مع اقتراب استكمال بناء منزلهم والعودة إلى بلدتهم

تختلف حكايات العائدين وتجاربهم من أطفال لم يتمكنوا من الألتحاق بالمدرسة بسبب اختلاف اللغة والمنهاج الدراسيّ ومنهم الآباء الذين يحاولون رغم اختلاف البيئة وتأمين سكن جديد ونمط حياة غير معتادة والأهم هو توفير الدخل المادي في ظل الظروف الراهنة، نسمع صوت محمد الحاج من ريف إدلب متزوج وأب لطفلين، يروي تفاصيل عودته من تركيا إلى سوريا بعد 10 سنوات من إقامته في اسطنبول حيث كان يعمل في مجال إنتاج الميديا والفيديو والغرافيك، يعتبر محمد أنه لا يوجد تحديات بالنسبة للسكن له أو بالنسبة للمغتربين العائدين لان الإيجارات مقبولة الثمن مقارنةً بايجارات تركيا حيث استعان بأحد أقربائه لتأمين منزل للآجار قبل عودته بفترة قصيرة

أما بالنسبة لدخله المادي فلم يؤثر عليه لأن طبيعة عمله عن بُعد ومازال مستمراً في عمله دون توقف، وهذا ما ساعده في سرعة الاستقرار، باعتباره بدأ حياة جديدة في بيئة مختلفة

ينقل لنا محمد عن واقع الحياة في الداخل السوري قائلاً: (أنا أعرف الواقع بشكل مقبول بحكم متابعتي الدائمة للأوضاع، وكنت قد قمت منذ سنتين بزيارة سوريا) لذلك لم تكن لديه صدمة كبيرة مع الواقع، رغم أنه مختلف بشكل كبير عن الوضع في تركيا لكن كان دوماً على علم واستعداد لمواجهة هذا الاختلاف مقابل أسبابه الشخصية للعودة

ويشير محمد إلى بعض الصعوبات التي يواجهها اليوم مثل بعض الأمور التي شعر بفقدانها وبعض الصعوبات التي يفرضها الواقع في اعزاز مثل ضعف المواصلات وصعوبات التنقل وتكاليفها، بالإضافة إلى كثرة القمامة المرمية عشوائياً في كل مكان، وقلة الأماكن العامة والحدائق النظيفة التي تُعتبر متنفساً على الأقل للأطفال، لكن مع ذلك تقبل الوضع في المنطقة

ويضيف قائلاً: (ربما هناك ما يعوّض هذا الاختلاف، مثل الحالة الاجتماعية التي نفتقدها في كثير من أماكن الاغتراب، وأيضًا العيش بدون مخاوف التعرض لمواقف عنصرية أو مخاوف الترحيل وتشتيت العائلة)

وحول أسباب قدومه إلى مدينة أعزاز تحديداً، يوضح محمد قدومه إلى أعزاز كان بنيّة قد سبقت تحرير سوريا، وقد استعد لها منذ فترة جيدة مبنية لأسباب شخصية، والآن ليست لديه نية لمغادرتها أو تغيير المكان، وفي نظره الخدمات في اعزاز مؤمنة بشكل مقبول مقارنة ببعض المدن بالأخص المحررة حديثاً، وأما عن أطفاله فقد كان حريصاً على دراستهم للغة العربية وأسس لهم اللغة بشكل جيد منذ إقامتهم في تركيا فيما يشعره الآن بالإطمئنان حول دخولهم إلى المدرسة

ويختتم محمد حديثه برسالة يوجهها إلى كل من يفكر بالعودة إلى سوريا قائلاً: «أنصح أي شخص ألا يتخذ قرار العودة بعجالة ودون دراسة) فالبلاد بالتأكيد تحتاج لوقت جيد لتعود إلى حالتها الطبيعية وتحتاج للكثير من الوقت والجهد، وستشعر بالاختلاف وسيكون لديك الكثير من الصعوبات، من الأفضل أن يكون العمل وتأمين الدخل أولى أولوياتك، لأن الدخول ضعيفة والفرص قليلة حتى الآن، والجميع يبحث عن عمل

تبعد مدينة اعزاز التابعة لمحافظة حلب على مسافة 48 كم شمال مدينة حلب قرب الحدود التركية ومعبر باب السلامة ، استقبلت المدينة قبل سقوط النظام عدداً كبيراً من المهجرين الوافدين من ريف حلب وريف إدلب وغيرها من المناطق السورية المختلفة وشكلت تطوراً عمرانياً ملحوظاً نتيجة هذا الخليط المجتمعي ، ومن بين هؤلاء المهجرين الذين مازالوا في المدينة بعد تحرير مناطقهم الطالبة الجامعية هبة نور (اسم مستعار) والتي تهجرت من ريف إدلب الجنوبي إلى عدة مناطق ليصل بها القطار إلى إعزاز منذ خمس سنوات وإلى الآن تعبر نور عن مدى شعورها بالاستقرار في المدينة منذ أن أتت إليها وذلك بعد حصول والدتها على فرصة عمل في إحدى المنظمات المحلية والتي انتشرت في المنطقة في الآونة الأخيرة قبل سقوط النظام حيث بلغ عددها تقريباً بين ال30 إلى 40 منظمة دولية ومحلية ، وتابعت تعليمها في معهد خاص لدراسة الثالث ثانوي ومن ثم انتقلت إلى المرحلة الجامعية

أسست نور دائرة علاقات من مختلف المناطق السورية لسنوات أمضتها في إعزاز ومن أهالي المدينة الأصليين بين زملائها في الجامعة وجيرانها في الحي والتعايش معهم حيث بلغ عدد المهجرين في المدينة قبل سقوط النظام تقريباً نحو 190 ألف شخصاً وعدد السكان الأصليين 55 ألف شخصاً بحسب المجلس المحلي في إعزاز  تصف نور عن مدى تعلقها بالمدينة وبالأشخاص التي تعرفت عليهم بقولها ( رغم أن لدي كل صديقة من بقعة جغرافية سورية بعيدة عن الأخرى إلى أنني كنت أشعر دوماً بالألفة والمحبة ، والآن بعد سقوط النظام وجب على كلٌ منا العودة إلى بلدتها لقد جمعنا الحرب وفرقنا التحرير)

لم تكن مغادرة إعزاز خياراً مطروحاً أمام نور وعائلتها فقد اختاروا البقاء فيها حرصاً على استكمال نور لدراستها الجامعية، ورغم امتلاكهم منزلاً في مدينة حلب إلا أنهم آثروا تأجيره نظراً لاستمرار أعمالهم في إعزاز، وتوفر ظروف معيشية أفضل، لا سيما فيما يتعلق بالكهرباء التي تتوفر بشكل مستقر على عكس حلب التي يعاني سكانها من انقطاع طويل ومتكرر في التيار ما يشكّل عائقاً حقيقياً أمام العودة

تُعد مدينة إعزاز اليوم الخيار الأنسب للعديد من العائلات، سواء ممن هجّرهم النزاع سابقاً أو من عادوا من التهجير، وفي سياق هذه التحولات الاجتماعية والاقتصادية أوضح الباحث المجتمعي الذي التقيناه أن مرحلة ما بعد التحرير مثّلت نقطة تحول كبيرة في حياة الكثير من الأفراد، لا سيما على مستوى قراراتهم المرتبطة بالاستقرار والاستثمار

فقد شهدت مدينة إعزاز شأنها شأن العديد من المدن السورية حالة من الاستقرار والتخبط، نتيجة موجات العودة المتعددة سواء ممن كانوا يقيمون فيها منذ سنوات وقرروا العودة إلى بلداتهم المحررة حديثاً، أو من أبناء إعزاز الأصليين الذين بدؤوا بالرجوع إليها تدريجياً

هذا التغير بحسب الباحث أتاح فرصة لبعض العائدين للدخول في المجال الاستثماري، مستفيدين من رغبة عدد كبير من السكان في بيع ممتلكاتهم ومنازلهم بأسعار مقبولة بهدف العودة إلى ديارهم الأصلية، غير أن هذه الفرصة تحولت في بعض الأحيان إلى عبء جديد على العائدين، ممن اضطروا إلى شراء منازل متهالكة أو البدء من الصفر في ترميمها وتأسيس مشاريعهم داخل بيئة اقتصادية غير مستقرة

وأشار الباحث إلى أن أبرز الصدمات النفسية والاجتماعية التي واجهت العائدين تمثلت في حالة عدم التوافق أو الانسجام المجتمعي، نتيجة التغيرات التي طرأت على البنية الاجتماعية والسلوكية للمنطقة والتي أصبحت منفتحة على ثقافات جديدة بعد أن كانت ذات طابع ريفي تقليدي مغلق هذا الانفتاح برغم إيجابياته شكّل حالة من التوتر الثقافي خاصة بالنسبة للعائدين الذين اعتادوا أنماط حياة مغايرة خلال سنوات الاغتراب

أما على الصعيد الاقتصادي، فقد تأثرت بعض المشاريع القائمة مسبقاً بدخول مستثمرين جدد من أبناء المنطقة ما أحدث نوعًا من المنافسة، لكن التحدي الأكبر أمام جميع الأطراف كما يرى الباحث يبقى في حالة الانكماش الاقتصادي العام، والتخوف من الاستثمار طويل الأمد في ظل غياب رؤية واضحة حول مستقبل البلاد من النواحي السياسية والإدارية والقانونية

ولم يغفل الباحث في حديثه التحديات التي يواجهها الشباب العائد، وأبرزها صعوبة إيجاد فرص عمل مناسبة، مما اضطر كثيرًا منهم إلى تغيير مهنهم أو التوجّه نحو مشاريع صغيرة تتماشى مع طبيعة السوق المحلي، كذلك الأمر بالنسبة للأطفال، الذين يواجهون صعوبات في التكيّف مع نظام تعليمي مختلف، سواء على صعيد اللغة أو طبيعة المناهج الدراسية

وختم الباحث حديثه بدعوة واضحة لكل مغترب يفكر في العودة، مشدداً على أهمية التفكير بالاستقرار طويل الأمد لا المؤقت، واختيار مشاريع مستدامة تحقق فائدة مجتمعية بدلًا من البحث عن الربح السريع في بيئة اقتصادية راكدة، قائلاً: (سوريا اليوم تحرّرت وهي بحاجة إلى جميع أبنائها، الديار تطلب أهلها، لكنها تطلبهم بأفق واسع، ووعي واقعي بالتحديات، وأدوات للبناء لا للهرب من المسؤولية)

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى