مهرجان "بوابة الشمس".. الثقافة جسراً للسلم الأهلي في سوريا
في خطوة فريدة من نوعها على الساحة الثقافية السورية، انطلقت فعاليات مهرجان “بوابة الشمس” ليجمع بين شمال سوريا وجنوبها في تجربة فنية وأدبية تهدف إلى تعزيز التعايش المدني وبناء جسور التواصل بين مختلف المكونات السورية. نظم المنتدى الثقافي خيزران المهرجان، الذي امتدت فعالياته على مدار يومين في العاصمة دمشق وثلاثة أيام في محافظة إدلب، بمشاركة واسعة من فنانين ومبدعين من أغلب المحافظات، في رسالة واضحة تؤكد قدرة الثقافة على تخفيف النزاعات وتعزيز الحوار السلمي بين المجتمعات المحلية.
شهدت العاصمة دمشق افتتاحية حافلة بالأنشطة الثقافية المتنوعة، من الأمسيات الشعرية إلى الحفلات الموسيقية والمعارض الفنية، حيث قدم كتاب شباب نصوصًا تعكس الواقع السوري وتتناول قضايا الهوية والانتماء، فيما أضاء شعراء من مناطق مختلفة على تجاربهم وتطلعاتهم للسلام والعيش المشترك. وقدّم الحفل الغنائي مزيجًا من التراث الموسيقي السوري والموسيقى الحديثة، في محاولة لإيجاد تواصل بين الأجيال، بينما عرض معرض الفن التشكيلي أعمالًا تتناول موضوعات مثل النزوح والذاكرة والهوية الثقافية، معبرًا بصريًا عن حياة السوريين اليومية وما خلفته سنوات النزاع الطويلة.
في محافظة إدلب، استضافت الفعاليات نشاطًا موازٍ تحت اسم “لوبان”، وهو الاسم التاريخي القديم للمدينة في حضارة إيبلا قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، في إشارة إلى الجذور العميقة للمنطقة وارتباطها بتاريخ طويل من الثقافة والإبداع. تضمنت الفعاليات قراءات قصصية وشعرية سلطت الضوء على تجارب أبناء إدلب، مع التركيز على الأمل والمقاومة الثقافية رغم الظروف الصعبة، إضافة إلى معرض فني جسد الحياة اليومية وأبرز تطلعات المجتمع المحلي نحو السلام والاستقرار.
وأكد القائمون على المهرجان أن “بوابة الشمس” تتجاوز كونها حدثًا ثقافيًا عابرًا لتصبح مشروعًا مجتمعيًا متكاملًا يستخدم الأدب والفن كأدوات للتقارب بين المجتمعات وتخفيف النزاعات، وتعزيز الحوار الثقافي بين المناطق المختلفة في سوريا. وأوضحوا أن هذه الفعاليات تمثل بداية لسلسلة من الأنشطة المستقبلية التي تهدف إلى دمج الثقافات المحلية وتوفير مساحات للتعبير الحر، خصوصًا في المناطق التي تعاني من التهميش أو النزاعات المستمرة.
وعن رسالة المهرجان، قال الأستاذ عمار الأمير، مدير منتدى خيزران الثقافي “في ظل الانقسامات المجتمعية والسياسية، يأتي مهرجان بوابة الشمس ليحمل رسالة واضحة مفادها أن الثقافة قادرة على بناء الجسور، وتوحيد الناس، وتقديم بدائل سلمية للتعبير والمقاومة”.
ويشير منظمو المهرجان إلى أن مشاركة مئات المبدعين من مختلف المحافظات تعكس رغبة المجتمع المدني في تعزيز التعاون والتقارب بين المكونات السورية، وتوفير منصة مشتركة لتبادل الخبرات والمهارات، وتشجيع الشباب على الانخراط في الأنشطة الثقافية والإبداعية، بما يسهم في تعزيز التنوع الثقافي والاجتماعي في المجتمعات المحلية.
وتبرز هذه التجربة دور الفن والأدب في تقديم مساحة آمنة للتعبير عن الذات والأفكار، ووسيلة لتقليل الاحتكاك والنزاعات الاجتماعية، خاصة في بيئات تأثرت بالنزاع الطويل والتهجير. وتؤكد تجربة “بوابة الشمس” أن الثقافة ليست مجرد نشاط ترفيهي، بل أداة فعالة لبناء المجتمع المدني وتعزيز السلام الأهلي، حيث تتيح للفنانين والمبدعين والمواطنين مساحة للقاء والتفاعل ومناقشة القضايا المجتمعية بأسلوب سلمي وإبداعي.
في الختام، يمثل مهرجان “بوابة الشمس” نموذجًا حيًا لقدرة الثقافة والفن على تحويل الواقع الصعب إلى فرصة للتقارب والتواصل، وتعزيز قيم التعايش السلمي في مجتمع يحتاج إلى مساحات للتلاقي والتعبير الحر، مع توفير منصة حقيقية للشباب والفنانين لتسليط الضوء على قضايا المجتمع وإعادة بناء روابط الثقة والتعاون بين مختلف شرائح المجتمع السوري.
