تعديل حكومي مرتقب في سوريا… تحديات الإصلاح المؤسسي ومكافحة الفساد تتصدر أولويات المرحلة الانتقالية

من المرتقب أن يُجري الرئيس أحمد الشرع خلال الفترة القادمة تعديلاً حكومياً واسعاً عبر مراسيم رسمية، يُتوقع أن تطال عدداً من الوزراء والمسؤولين في مؤسسات الدولة. غير أن النقاش الدائر حول الأسماء المرشحة للتعيين أو إنهاء التكليف لا يبدو القضية الأهم بقدر ما يطرح تساؤلات أعمق حول أولويات المرحلة الانتقالية وطبيعة الإصلاح المطلوب في بنية الدولة.

تُعد عملية بناء المؤسسات وإصلاحها من أبرز استحقاقات المرحلة الانتقالية، وقد ظل الإعلام شبه الرسمي وغير الرسمي خلال الفترة الماضية يشدد على أهمية إعادة الهيكلة المؤسسية باعتبارها أولوية، مبرراً بذلك التأخر في فتح المجال أمام الحياة السياسية. إلا أنه بعد مرور أكثر من عام على بدء المرحلة الانتقالية، ما تزال الدولة تفتقر إلى خطة شاملة ومعلنة للإصلاح المؤسساتي، كما لم يقدم معظم الوزراء والمسؤولين سياسات قطاعية واضحة تُترجم هذا التوجه إلى خطوات عملية، باستثناءات محدودة ظهرت في بعض المديريات والهيئات.

ومن أبرز التحديات التي واجهت المرحلة السابقة غياب خطة واضحة لدمج المؤسسات المختلفة ضمن إطار إداري موحد. إذ تتداخل حالياً داخل مؤسسات الدولة طبقات متعددة تشمل مؤسسات حكومة الإنقاذ والحكومة المؤقتة ومؤسسات النظام السابق إضافة إلى مؤسسات الإدارة الذاتية، دون وجود استراتيجية معلنة لإدارة هذا الدمج على المستويات المالية والإدارية والأمنية. ويُنظر إلى هذا التداخل المؤسسي باعتباره أحد الأسباب الرئيسية للفوضى الإدارية والمالية التي تعاني منها بعض القطاعات.

وتبرز قضية مكافحة الفساد بوصفها شرطاً أساسياً لنجاح أي جهود إصلاحية للحكومة القادمة. فالمؤشرات الحالية توحي بأن الفساد الإداري والمالي بدأ يتحول إلى ظاهرة متنامية قد تطال حتى المسؤولين الجدد، وهو ما يمثل تطوراً خطيراً في سياق بناء الدولة. ويُعزى ذلك جزئياً إلى تأخر وضع استراتيجية واضحة وشاملة لمكافحة الفساد، ما أتاح انتقال شبكات الفساد تدريجياً من بقايا النظام السابق إلى داخل بعض الهياكل الإدارية الجديدة.

ولا يمكن معالجة الفساد من خلال تعديل حكومي فقط، بل يتطلب الأمر تأسيس منظومة مؤسساتية متكاملة تقوم على أنظمة رقابة فعّالة، وتعزيز الشفافية المالية، وإطلاق مسابقات توظيف تعتمد على الكفاءة بدلاً من معايير الولاء، إلى جانب توفير حماية قانونية حقيقية وضمان استقلال القضاء. وفي حال غياب هذه المقومات، قد يبقى الفساد قادراً على التكيف والتحول إلى شبكات نفوذ تؤثر في مراكز القرار داخل السلطة نفسها.

كما تمثل العدالة الانتقالية أحد الأعمدة المكملة لجهود الإصلاح المؤسسي ومكافحة الفساد. فغياب المساءلة ووضوح المعايير القانونية في التعامل مع إرث النظام السابق قد يخلق بيئة رمادية تسمح بإعادة إنتاج شبكات النفوذ بطرق جديدة، الأمر الذي قد يؤدي تدريجياً إلى إضعاف المكاسب التي تحققت في مجالات السياسة الخارجية والاستقرار الأمني.

في ظل هذه التحديات، يُنظر إلى التعديل الحكومي المرتقب باعتباره خطوة مهمة، لكنها لن تكون كافية ما لم تترافق مع رؤية واضحة وخطة شاملة تعالج جذور المشكلات المؤسسية وتضع أسساً متينة لمرحلة انتقالية أكثر استقراراً وفعالية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى