بين الحماية والقيود: هل تحمي القوانين السورية الصحفيات من العنف الرقمي؟
«لو شو ما بصير معي، ما بقا الجا للقانون، لانو بحرقو أعصاب الواحد أكتر».
تقول أمل، صحفية من دمشق، هذه العبارة بعد تجربة بدأت باستخدام صورها المنشورة علناً على وسائل التواصل الاجتماعي، وانتهت بإنشاء صفحة باسمها، واستخدام صور معدّلة بالذكاء الاصطناعي، والتواصل مع معارفها، وتهديدها بنشر مزيد من الصور مقابل المال.

قد يبدو القانون، في مثل هذه الحالات، المسار الطبيعي للبحث عن الحماية، لكن تجربة أمل لم تنتهِ بحماية وصلت إليها، بل بأوراق تركتها جانباً وقرار بعدم اللجوء إلى القانون مرة أخرى.
تقول إنها تقدمت بشكوى، لكنها واجهت خلال الإجراءات طلبات متكررة لاستكمال أوراق والعودة في أوقات مختلفة والتوجه إلى جهات أخرى، قبل أن تتخلى عن متابعة الملف.
لا تعني تجربة أمل أن القانون السوري يخلو من النصوص التي يمكن استخدامها لمواجهة بعض أشكال العنف الرقمي المبني على النوع الاجتماعي، لكنها تطرح سؤالاً مختلفاً: ماذا يحدث عندما تحاول الصحفية تحويل النص القانوني إلى حماية فعلية؟
بين النص والشكوى
يتضمن قانون الجرائم المعلوماتية رقم 20 لعام 2022 مواد يمكن أن تنطبق على أفعال مثل انتهاك الخصوصية والذم والقدح والتحقير الإلكتروني، وبعض أشكال نشر المعلومات أو الصور الخاصة. وتنص المادة 21 على تجريم نشر معلومات تتعلق بخصوصية شخص عبر الشبكة من دون رضاه، حتى لو كانت المعلومات صحيحة. (Industry News)
كما يتضمن القانون نصوصاً تتناول أفعالاً أخرى يمكن أن تتقاطع مع بعض أشكال الاستهداف الرقمي، مثل الحصول غير المشروع على معلومات أو الصور والتسجيلات ونشرها في ظروف محددة.
لكن هذه النصوص لا تنشئ إطاراً مستقلاً للعنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي ضد الصحفيات، ولا تضع مساراً خاصاً للتعامل مع طبيعة الاعتداءات التي قد تبدأ بتعليق أو حملة تشهير، ثم تتطور إلى تهديد أو ابتزاز أو استهداف لأفراد الأسرة.
ويقول المحامي والمحاضر في القانون الدولي “ركان رحال” إن اللجوء إلى القانون يبدأ بتحديد الفعل المرتكب وتوثيقه وتقديم الشكوى، إلا أن تحديد هوية الفاعل يصبح أكثر تعقيداً عندما يكون مجهولاً، وقد يحتاج إلى إجراءات تقنية لكشف مصدر الحساب أو الاتصال.
ولا يكفي، وفق ذلك، وجود لقطة شاشة وحدها في كل الحالات، إذ قد تحتاج الجهات المختصة إلى التحقق من مصدر الدليل وسلامته وسياقه والإجراءات التقنية المرتبطة به.
وهنا تظهر إحدى الفجوات بين النص والتطبيق: فقد تعرف الصحفية أن ما تعرضت له يمكن أن يندرج تحت جريمة معينة، لكنها قد لا تعرف الجهة التي تبدأ منها، أو الأدلة التي ينبغي الاحتفاظ بها، أو ما الذي سيحدث بعد تقديم الشكوى.
عمليًا، يمكن أن تبدأ الصحفية – قدر الإمكان – بحفظ الأدلة الرقمية، والاستفسار من محامي/ة أو منظمة داعمة عن الجهة الأكثر ملاءمة لتقديم الشكوى في حال توفرت مثل هذه الموارد حسب “حنين السيد” الأخصائية في مجال السلامة الرقمية.

عندما تصبح الإجراءات جزءاً من المشكلة
اختبرت مرح، صحفية من دير الزور في بداية مسيرتها، هذا المسار بطريقة مختلفة.
سُرقت منها وحدة تخزين “فلاشة” تحتوي على صور ومعلومات خاصة، قبل أن يبدأ شخص بالتواصل معها عبر “فيسبوك ماسنجر” وإرسال صور من الفلاشة وطلب مبالغ مالية متزايدة مقابل عدم نشرها، مهدداً بالإساءة إلى سمعتها.
توجهت إلى مركز شرطة قريب، لكنها تقول إنها تعرضت لتعليقات ساخرة بسبب لهجتها، وطُلب منها العودة بعد يومين، وعندما عادت، أُبلغت، بحسب روايتها، بأن أوراقها مفقودة، ما اضطرها إلى إعادة الإجراءات والتوجه إلى المحكمة وتقديم بلاغ جديد.
تقول مرح إنها أمضت 12 يوماً بين مركز الشرطة والمحكمة، قبل أن تتخلى عن متابعة القضية: “كبيت الورق ومشيت”.

لاحقاً، تواصل المعتدي مع عائلتها، التي وقفت إلى جانبها، قبل أن يتوقف التواصل معه.
تُظهر تجربة مرح أن الوصول إلى القانون لا يتعلق فقط بوجود مادة قانونية يمكن الاستناد إليها، بل أيضاً بقدرة المتضررة على عبور الإجراءات اللازمة للوصول إلى نتيجة. وفي حالات العنف الرقمي، قد تكون الصحفية في الوقت نفسه مطالبة بحماية خصوصيتها، وتأمين حساباتها، وتوثيق الأدلة، ومواجهة التهديد، ومتابعة الإجراءات القانونية.
الدليل الرقمي بين الحذف والحفظ
تقول “السيد” “إن حذف الرسائل أو المنشورات المسيئة قد يؤدي إلى فقدان أدلة مهمة، لذلك ينبغي الاحتفاظ بالمحادثات والروابط وأسماء الحسابات والتاريخ والتوقيت والنسخ الأصلية من المحتوى، وتنظيمها بطريقة تساعد على تتبع تطور الحادثة.
وتزداد أهمية ذلك عندما تكون الحسابات وهمية أو تُحذف لاحقاً، لأن اختفاء الرابط أو الحساب أو التوقيت قد يجعل عملية التحقق أكثر صعوبة”.
لكن عبء التوثيق لا يمكن أن يقع كله على الصحفية. فعندما يتضمن الاعتداء تهديداً مباشراً بالسكن أو الأسرة أو السلامة الجسدية، لا يعود الأمر مجرد مخالفة رقمية تحتاج إلى لقطة شاشة، بل يتحول إلى مسألة تتطلب تقييماً للمخاطر واتخاذ إجراءات حماية.
وهنا تبرز مشكلة أخرى: هل توجد آلية واضحة داخل المسار القانوني تساعد الصحفية على معرفة ما يجب فعله منذ اللحظة الأولى؟
عندما لا تبدأ الشكوى أصلاً
في حالة إسراء، وهي صحفية تعمل في مجال التحقيقات، لم تصل المسألة إلى مرحلة تقديم شكوى.
تعرضت خلال إعداد إحدى المواد لحملة رقمية استمرت أكثر من شهرين، تضمنت تعليقات مسيئة ومحاولات للنيل من سمعتها، لكنها لم تتوجه إلى القضاء، لأنها لم تكن تعتقد أن المسار القانوني سيحميها أو يوقف الحملة.
وهذه الحالة تكشف مرحلة تسبق الشكوى نفسها: غياب الثقة بالمسار القانوني يمكن أن يمنع الصحفية من دخوله أساساً.
وبذلك لا يمكن قياس فعالية الحماية القانونية فقط بعدد الشكاوى المقدمة أو القضايا التي وصلت إلى القضاء، فهناك صحفيات قد ينسحبن قبل الوصول إلى هذه المرحلة، بسبب الخوف أو عدم المعرفة أو الاعتقاد بعدم جدوى الإجراءات.
حماية الصحفية أم حماية الحق في التعبير؟
لكن توسيع الحماية القانونية من العنف الرقمي يطرح في المقابل سؤالاً لا يقل أهمية بالنسبة إلى الصحفيات: كيف يمكن مكافحة التشهير والتهديد والتحريض من دون أن تتحول القوانين المستخدمة للحماية إلى قيود على النقد المشروع أو العمل الصحفي؟
فالصحفية قد تتعرض لهجوم بسبب تحقيق أو منشور أو موقف مهني، لكن ليس كل نقد أو اعتراض على عملها يشكل عنفاً رقمياً، وهنا يصبح التمييز بين النقد المتعلق بالمحتوى الصحفي وبين الأفعال التي تتجاوز النقد إلى التهديد أو التحريض أو التشهير أو انتهاك الخصوصية أو الابتزاز، ضرورياً في تقييم الحماية القانونية.
وتوضح رهادة عبدوش محامية وناشطة في قضايا حقوق الانسان أن حماية الصحفية لا تعني منع الآخرين من نقد عملها أو مخالفة ما تطرحه، وإنما يجب التمييز بين الاعتراض على المادة أو الرأي الصحفي، وبين استهداف الصحفية شخصياً من خلال التهديد أو التشهير أو انتهاك خصوصيتها أو نشر محتوى عنها من دون موافقتها.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في ظل اعتماد الصحفيات على وسائل التواصل الاجتماعي كجزء من عملهن، إذ إن أي معالجة قانونية للعنف الرقمي ينبغي أن تحميهن من الاعتداء، من دون أن توسع نطاق التجريم ليشمل النقد المشروع أو النقاش العام حول عملهن.
وفي هذا السياق، لا يصبح السؤال فقط: هل توجد نصوص يمكن استخدامها لحماية الصحفية؟ بل أيضاً: كيف تُطبق هذه النصوص، وما الحدود التي تفصل بين حماية الصحفية وبين تقييد حرية التعبير والعمل الصحفي؟
وتشير وزارة العدل السورية إلى أن الوزارة تواصل دراسة قانون الجرائم المعلوماتية تمهيداً لإجراء التعديلات اللازمة عليه، بهدف تحقيق ما وصفته بـ«التوازن» بين حماية المجتمع من المخاطر الرقمية وصون الحقوق والحريات الأساسية. وأصدرت الوزارة في 6 تموز/يوليو 2026 التعميم رقم 26 لتنظيم إجراءات قضايا الجرائم المعلوماتية، بما يشمل الحالات التي تحتاج إلى تحقيق تقني لتحديد الفاعلين المجهولين، مع التأكيد على عدم المساس بالحريات إلا في حدود الضرورة القانونية. (وزارة العدل السورية)
ولا يعني ذلك أن المراجعة الحالية حسمت الفجوات التي تكشفها تجارب الصحفيات، لكنها تُظهر أن العلاقة بين مكافحة الجرائم الرقمية وحماية الحقوق والحريات أصبحت جزءاً من النقاش القانوني الجاري.
بين القانون وتطبيقه
توضح تجارب أمل ومرح وإسراء ثلاث نقاط مختلفة في رحلة الوصول إلى الحماية.
أمل وصلت إلى باب القانون، لكنها تخلت عن متابعة الشكوى بعد ما وصفته بإجراءات مرهقة.
مرح استمرت في الإجراءات لأيام، لكنها تقول إن تعقيد المسار وفقدان أوراقها دفعاها في النهاية إلى التخلي عنه.
أما إسراء فلم تبدأ المسار القانوني أصلاً، لأنها لم تثق بأنه سيقدم لها حماية من الحملة التي تعرضت لها.
هذه التجارب لا تكفي وحدها للقول إن القانون السوري غير قادر على حماية الصحفيات، لكنها تكشف أن وجود النص القانوني لا يساوي بالضرورة إمكانية الوصول إلى الحماية. ففي مثل هذه الحالات، لا تواجه الصحفية عنفاً رقمياً فردياً فحسب، بل عنفاً قائماً على النوع الاجتماعي يستغل صورها وسمعتها كسلاح للضغط عليها وإسكاتها.
وقد تبدأ المشكلة من فجوة في توصيف بعض أشكال العنف الرقمي، لكنها تستمر أيضاً في معرفة الجهة التي ينبغي التوجه إليها، ومتطلبات الإثبات، وآلية التعامل مع الأدلة الرقمية، وسرعة الإجراءات، والمتابعة بعد تقديم الشكوى.
وفي الوقت نفسه، لا تنفصل معالجة هذه الفجوات عن ضرورة حماية حرية التعبير والعمل الصحفي، بحيث يبقى هناك فرق واضح بين النقد المشروع وبين التهديد والتشهير والتحريض وانتهاك الخصوصية.
في النهاية، لا يكفي أن يكون للصحفية حق قانوني مكتوب، السؤال الذي تكشفه الحالات التي وثقتها هذه المادة هو ما إذا كانت تستطيع الوصول إلى هذا الحق واستخدامه فعلياً، من دون أن تتحول رحلة طلب الحماية نفسها إلى عبء جديد عليها، ومن دون أن تأتي الحماية على حساب حقها وحق الآخرين في التعبير والنقد الصحفي.