كيف يعيد العنف الرقمي تشكيل المسار المهني للصحفية السورية

“مكانك المطبخ” قد تبدو عبارة عابرة في تعليق على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها بالنسبة إلى صحفيات سوريات ليست دائماً مجرد إساءة؛ فقد يكون التعليق بداية لسلسلة أوسع من التشهير والتهديد والتحريض ومحاولات اختراق الحسابات.

ومع انتقال جزء كبير من العمل الصحفي إلى الفضاء الرقمي، أصبحت منصات التواصل جزءاً أساسياً من حضور الصحفية وعملها، لكنها تحولت أيضاً إلى مساحة جديدة للاستهداف، لا بسبب ما تنشره فقط، بل أحياناً بسبب كونها امرأة حاضرة في المجال العام.

في هذه المادة، نستند إلى شهادات صحفيات سوريات تعرضن لأشكال مختلفة من العنف الرقمي، وإلى استبيان استطلاعي أجرته إدلب بلس وشمل 32 صحفية، لنتتبع كيف يتحول العنف الإلكتروني من مجرد تعليق مسيء على الشاشة إلى أداة تعيد تشكيل المسار المهني للصحفية، وتدفع بعضهن إلى الصمت أو الانسحاب من الظهور العام، وقد تصل في بعض الحالات إلى الابتعاد عن المهنة نهائياً.

 تكشف تجربة الصحفية ليلاس حتاحت كيف يمكن لهذا الاستهداف أن يترك أثراً يتجاوز لحظة الهجوم نفسها. ففي عام 2012، وبينما كانت تنشر مقابلات مع معارضين سوريين، بدأت تتلقى اتصالات ليلية ورسائل مجهولة تحمل عبارات تهديد.

تقول ليلاس إن تلك التهديدات دفعتها إلى إخفاء اسمها الحقيقي والنشر بأسماء مستعارة، في محاولة لحماية نفسها وعائلتها، قبل أن تغادر سوريا عام 2015. لكن مغادرتها البلاد لم تُنهِ الاستهداف؛ إذ استمرت حملات التشهير والتعليقات التي تهاجم شخصها ومظهرها بدلاً من مناقشة عملها الصحفي. ومع الوقت، تقول إن الضغط المتواصل دفعها إلى الابتعاد تدريجياً عن الكتابة والواجهة الإعلامية، ليتغير مسارها المهني وتتجه إلى العمل كمدربة ومستشارة إعلامية. بالنسبة إليها، لم يكن استخدام اسم مستعار أو تقليل حضورها على المنصات خياراً مهنياً حراً، بقدر ما كان وسيلة لحماية نفسها والاستمرار حسب وصفها.

ولا تبدو تجربة ليلاس حالة منفردة. ففي استبيان استطلاعي أجرته إدلب بلس وشمل 32 صحفية سورية، قالت 28 منهن إنهن تعرضن لعنف أو استهداف رقمي مرتبط بعملهن الصحفي، فيما أظهرت الإجابات أن أثر هذه التجارب امتد لدى كثيرات إلى طريقة ممارسة المهنة نفسها.

وبين الصحفيات اللواتي تعرضن للاستهداف، برزت الرقابة الذاتية كأحد أكثر الآثار وضوحاً؛ إذ قالت الغالبية إنهن أصبحن، بدرجات مختلفة، أكثر حذراً في ما يكتبن وينشرن، بينما تجنبت بعضهن موضوعات معينة أو خففن حضورهن على منصات التواصل. وهي مؤشرات تعكس كيف يمكن أن ينتقل العنف الرقمي من استهداف الصحفية على الشاشة إلى التأثير في المساحة التي تمنحها لنفسها داخل المهنة.

وتتقاطع هذه النتائج مع دراسة ميدانية أوسع حول العنف الرقمي ضد النساء في سوريا، أعدتها الصحفية حنين السيد ونادية السقاف لصالح مؤسسة SecDev عام 2023، ووجدت أن نحو 60% من النساء المشاركات تعرضن لأشكال من العنف الرقمي. كما لفتت الدراسة إلى أن النساء ذوات الحضور العام، ومن بينهن الناشطات، يتعرضن لاستهداف لا يقتصر على الإساءة الشخصية، بل قد يكون هدفه الحد من حضورهن وإسكات أصواتهن.

وفي حالة الصحفية آلاء المحمد، لم يبقَ الاستهداف داخل حدود المنصات الرقمية. فبسبب نشاطها الصحفي ودفاعها عن قضايا النساء، تقول إنها تعرضت لحملات تشهير وتحريض على فيسبوك، ركز جزء كبير منها على سمعتها وحياتها الشخصية بدلاً من مناقشة ما تطرحه مهنياً.

“يعرفون أن أسهل طريقة لإسكات الصحفية هي النيل من سمعتها”، تقول آلاء، موضحة أن الهجمات التي استهدفتها لم تتوقف عند التعليقات والمنشورات. ففي إحدى المرات، حاول ثلاثة مسلحين الوصول إلى منزلها وهددوها وأطفالها بالقتل، في حادثة تقول إنها جاءت بعد موجة من التحريض ضدها على الإنترنت.

دفعتها التجربة إلى التوقف عن العمل والظهور الإعلامي لأسابيع، وسط الخوف على سلامتها وسلامة أطفالها. ورغم عودتها لاحقاً إلى العمل ومحاولتها التعامل مع ما جرى عبر تقديم بلاغات والاستعانة بجهات وشخصيات داعمة، بقي أثر التجربة حاضراً في قراراتها المهنية وفي المساحة التي تسمح لنفسها بالظهور فيها.

 

حين يتحول الخوف إلى رقابة ذاتية

تكشف تجربة الصحفية كنانة الشريف وجهاً آخر للعنف الرقمي؛ فالمسافة الجغرافية لم تكن كافية لإبعاد الاستهداف عنها. تقول إنها تعرضت لهجمات شملت إرسال صور ذات طابع جنسي، ومحاولات لاختراق بريدها الإلكتروني، وتعليقات استهدفت مظهرها وحياتها الشخصية، قبل أن يمتد بعضها إلى زوجها وعائلتها، خلال عملها الصحفي في واشنطن.  

“تختلف الصحفية عن زميلها الرجل لأن أدوات تخويفها مجتمعية؛ يضربون سمعتها وصورتها وعائلتها للوصول إلى اغتيالها معنوياً”، تقول كنانة. ومع تكرار الهجمات، بدأت باتخاذ إجراءات لحماية نفسها، من بينها تعطيل التعليقات وتقليل التفاعل على حساباتها وتوثيق الرسائل المسيئة.

لكن التغيير الأعمق، بالنسبة إليها، حدث في عملها الصحفي نفسه. تقول إنها أصبحت أكثر تردداً في الخوض في ملفات سورية حساسة، حتى عندما تمتلك مصادر موثوقة على الأرض، خشية أن يؤدي نشرها إلى موجة جديدة من الاستهداف تطالها أو تطال أفراد عائلتها. وهكذا لم يعد أثر العنف الرقمي مرتبطاً بما يحدث بعد نشر المادة فحسب، بل بدأ يتدخل مسبقاً في القرار: ما الذي يمكن نشره؟ وما الموضوع الذي قد يكون ثمنه أكبر من احتماله؟

لم يظهر أثر هذا الخوف في شهادات من وافقن على الحديث فقط. خلال إعداد هذه المادة، تواصلت إدلب بلس مع أكثر من عشر صحفيات سبق أن تعرضن لأشكال موثقة من العنف الرقمي، لكن غالبية من تواصلنا معهن فضّلن عدم العودة إلى التجربة أو الحديث عنها للنشر.

لم تكن الإجابات متشابهة تماماً، لكنها دارت حول رغبة واحدة: ألّا تبدأ القصة من جديد. قالت إحداهن إن ما حدث بالنسبة إليها “صفحة وانطوت”، فيما اختصرت أخرى موقفها بقولها: “ما بدي أفتح باب للحكي”، وقالت ثالثة إنها بالكاد استطاعت تجاوز ما جرى ولا تريد استعادته مرة أخرى.

هذا الامتناع لا يمكن التعامل معه كرقم إضافي في الاستبيان، ولا يعني بالضرورة أن جميع من رفضن الحديث ما زلن يعشن الأثر نفسه. لكنه يكشف جانباً يصعب التقاطه بالأرقام وحدها: بالنسبة إلى بعض الصحفيات، لا ينتهي العنف الرقمي مع توقف الحملة أو اختفاء المنشورات؛ فقد تصبح العودة إلى التجربة نفسها عبئاً، أو مخاطرة بإعادة تداول ما حاولن تجاوزه.

وهكذا يصبح الصمت هنا جزءاً من أثر العنف، لا بمعنى أن الصحفية فقدت صوتها، بل لأن قرارها بعدم الحديث قد يكون أيضاً محاولة لاستعادة السيطرة على تجربة خرجت في لحظة ما عن سيطرتها.

وفي بعض الحالات، لم يتوقف الانسحاب عند رفض الحديث عن التجربة. “صرت أفكر مرتين وثلاثة قبل ما أرجع لعملي بالصحافة، وبالأخير اعتزلت المهنة واقتصرت على الكتابة باسم مستعار بعد غياب خمس سنوات”، بهذه الكلمات تختصر “رهام” – وهو اسم مستعار – ما تركه العنف الرقمي في مسارها المهني.

بدأت تجربتها بعد ظهورها الأول في الصحافة المرئية، حين تقول إنها تعرضت لحملة من التنمر والتشهير تجاوزت نقد محتواها الصحفي إلى مهاجمة شكلها وشخصها، وترافقت مع رسائل تهديد ومحاولات لاختراق حساباتها. ومع استمرار الضغط وما ترتب عليه من مشكلات داخل محيطها العائلي، اختارت الابتعاد عن الظهور والعمل الصحفي لفترة امتدت خمس سنوات.

عندما عادت، لم تكن العودة إلى النقطة التي غادرتها؛ فقد تخلت عن الظهور المرئي، واتجهت إلى الكتابة باسم مستعار. بذلك لم يغيّر الاستهداف علاقتها بمنصات التواصل فقط، بل ساهم في إعادة رسم المساحة التي تستطيع أن تشغلها داخل المهنة: من صحفية تظهر باسمها وصورتها، إلى صحفية تفضّل العمل بعيداً عن الواجهة.

وتكشف تجربة رهام جانباً يصعب قياسه بعدد التعليقات أو الرسائل المسيئة وحدها. فخسارة الصحفية لسنوات من حضورها المهني، أو اضطرارها إلى إخفاء هويتها كي تتمكن من الاستمرار، تعني أن أثر العنف قد يبقى قائماً حتى بعدما يتوقف الهجوم نفسه.

ما تصفه رهام، وما ظهر أيضاً في تجارب ليلاس وكنانة، لا يرتبط فقط بالخوف من التعرض لهجوم جديد. توضح أخصائية الدعم النفسي مروة خطاب أن العنف الرقمي، عندما يستهدف السمعة أو الجسد أو الأسرة أو يترافق مع تهديدات مباشرة، يمكن أن يضرب شعور الصحفية بالأمان نفسه، ويترك أثراً يستمر حتى بعد توقف الهجوم.

وتقول خطاب إن الانسحاب من المنصات، أو تقليل الظهور، أو استخدام اسم مستعار، أو تجنب موضوعات معينة، قد تتحول إلى وسائل لحماية النفس في مواجهة تهديد متكرر. بهذا المعنى، لا تكون الرقابة الذاتية دائماً قراراً تحريرياً واعياً بقدر ما تصبح استجابة دفاعية: تتعلم الصحفية، مع كل تجربة، أين يمكن أن يكون ظهورها مكلفاً، وما الموضوع الذي قد يجر وراءه استهدافاً جديداً.

وهنا تكمن إحدى أكثر نتائج العنف الرقمي صعوبة في القياس؛ فالأثر لا يظهر فقط في عدد الصحفيات اللواتي غادرن المهنة، بل أيضاً في المواد التي لم تُكتب، والآراء التي لم تُنشر، والملفات التي فضلت صحفيات الابتعاد عنها تفادياً لكلفة شخصية أو عائلية جديدة.

لا يمكن أن تبقى الحماية مسؤولية فردية

​ أمام هذا النوع من الاستهداف، غالباً ما تجد الصحفية نفسها مضطرة إلى ابتكار وسائل الحماية بمفردها؛ فتغلق التعليقات، وتوثق الرسائل المسيئة، وتشدّد إعدادات الأمان في حساباتها، أو تقلل ظهورها على المنصات. وفي محاولة لنقل المواجهة من رد الفعل الفردي إلى استجابة أكثر تنظيماً، ظهرت مبادرات أهلية من بينها مبادرة “بلّغ”، التي يعمل ناشطون وصحفيون من خلالها على رصد خطاب الكراهية والعنف الرقمي وتوثيقه والإبلاغ عنه.

تقول كندة عامود، إحدى مؤسسات المبادرة، إن الهدف ليس تقييد حرية التعبير أو منع النقد، وإنما التعامل مع المحتوى الذي يتجاوز الرأي إلى التحريض أو التهديد أو الاستهداف الشخصي. ولا يقتصر عمل المبادرة، بحسب عامود، على طلب إزالة المحتوى المسيء، بل يشمل جمع الحالات وتصنيفها ومحاولة إيصالها إلى الجهات المعنية، بما يساعد على فهم أنماط العنف الرقمي والبحث عن آليات أكثر فاعلية لمواجهته.

لكن حتى العاملين على مواجهة هذا العنف لم يكونوا بمنأى عنه. تقول عامود إنها وأعضاء في الفريق تعرضوا بدورهم لحملات تخوين وشتائم وتهديدات مرتبطة بنشاطهم، في مؤشر على الصعوبات التي تواجه المبادرات المدنية حين تحاول العمل في بيئة لا تزال أدوات الحماية والاستجابة فيها محدودة.

وتظهر هذه الفجوة أيضاً في استبيان إدلب بلس؛ فمن بين الصحفيات اللواتي قلن إنهن تعرضن مباشرة للعنف أو الاستهداف الرقمي بسبب عملهن، أفادت أكثر من نصفهن بأنهن لم يحصلن على أي نوع من الدعم، فيما أشارت ثلاث صحفيات فقط إلى تلقي دعم من المؤسسة الإعلامية التي يعملن معها. وهي نتيجة تفتح سؤالاً يتجاوز قدرة الصحفية على حماية حساباتها بنفسها: من يتحمل مسؤولية حمايتها عندما يكون الاستهداف مرتبطاً مباشرة بعملها المهني؟

هذا يعني أن مسؤولية مواجهة العنف الرقمي لا يمكن أن تبقى فردية أو أهلية فقط، فالمؤسسات الإعلامية نفسها مطالَبة بوضع سياسات واضحة لحماية صحفياتها عندما يكون الاستهداف مرتبطاً مباشرة بعملهن.

وترى حنين السيد، المتخصصة في السلامة الرقمية، أن ترك الصحفية لمواجهة الهجوم بمفردها يضاعف أثره، خصوصاً عندما يتطور من إساءات وتعليقات إلى تهديدات أو انتحال للهوية أو انتهاك للخصوصية. وتقول إن الاستجابة تبدأ بتوثيق المحتوى وحفظ الأدلة وتأمين الحسابات وتقييم مستوى الخطر، لكنها تحتاج أيضاً إلى استجابة أسرع وأكثر فاعلية من منصات التواصل تجاه البلاغات والمحتوى المحرض أو المنتهك للخصوصية، بدلاً من أن تبقى الصحفية وحدها مسؤولة عن إدارة الأزمة وحماية نفسها.

في النهاية، لا يُقاس أثر العنف الرقمي بعدد الرسائل المسيئة أو مدة الحملة فقط، بل بما يتركه في المسار المهني للصحفية بعد انتهائها: موضوعات تتجنبها، ظهور تقلله، آراء تحتفظ بها لنفسها، أو سنوات تبتعد فيها عن المهنة قبل أن تجد طريقة للعودة. وما تكشفه شهادات الصحفيات واستبيان إدلب بلس هو أن هذا الأثر لا يبقى فردياً؛ فعندما تنسحب الصحفية من الواجهة أو تغيّر مسارها المهني تحت ضغط العنف الرقمي، لا تخسر وحدها، يخسر معها الجمهور زوايا نظر وخبرات كان يمكن أن تغني التغطية الصحفية.

لهذا لا يمكن التعامل مع العنف الرقمي بوصفه ثمناً طبيعياً للظهور العام أو جزءاً معتاداً من العمل الصحفي. فحماية الصحفيات لا تتوقف عند قدرتهن على تأمين حساباتهن أو تجاهل التعليقات المسيئة، بل تتطلب مؤسسات إعلامية تتحمل مسؤوليتها تجاه العاملات فيها، ومنصات أكثر جدية في التعامل مع التهديد والتحريض وانتهاك الخصوصية، ومسارات دعم واضحة عندما يتحول الهجوم الرقمي إلى خطر مهني أو شخصي. فالسؤال لم يعد فقط كيف تستطيع الصحفية الصمود أمام العنف، بل كيف نمنع هذا العنف من أن يكون عاملاً يعيد رسم حضور النساء في الصحافة السورية.

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى