من الهجوم إلى الحماية: كيف تستجيب المؤسسات الإعلامية للعنف الرقمي ضد الصحفيات؟
بين الحين والآخر، تستيقظ سارة مذعورة من نومها، بشعور متكرر بأن شيئاً ما يلاحقها. لم تبدأ هذه الكوابيس من حادثة واحدة، لكنها ازدادت بعد حملة تحريض إلكتروني تعرضت لها إثر منشور كتبته على صفحتها في فيسبوك. ورغم ذلك، تواصل عملها الصحفي كالمعتاد؛ تحرر التقارير، تنجز المهام المطلوبة منها، ثم تعود في لحظات الاستراحة إلى تجربة تقول إن أثرها لم ينتهِ بانتهاء المنشورات والتعليقات.
تعمل سارة في الصحافة منذ عام 2005، وتعتمد على الكتابة الصحفية كمصدر دخل أساسي لها ولعائلتها. لذلك لم يكن التوقف عن العمل خياراً سهلاً، حتى عندما تحول حضورها على الإنترنت إلى مصدر خوف مستمر.
بدأت الحادثة الأخيرة، بحسب روايتها، عندما نشرت معلومات عن فتاة من منطقتها كان يُتداول أنها تعرضت للاختطاف. تقول سارة إنها كانت تملك معلومات تشير إلى أن الفتاة غادرت بإرادتها، فكتبت منشوراً تحذر فيه من تبني رواية غير مؤكدة قد تضر بقضايا مختطفات أخريات. لم يمض وقت طويل حتى وجدت نفسها في مواجهة هجوم من أكثر من اتجاه.
تقول: “الطرف يلي مو مصدق رواية الخطف سبني وشتمني بألفاظ مسيئة وحرض على قتلي، والطرف يلي مصدق رواية الخطف اتهمني بالخيانة وسبني بألفاظ وشتائم جنسية أنا وعائلتي. صندوق الرسائل عندي مليء بالشتائم”.
الشتائم الجنسية والتهديدات المرتبطة بجندر الصحفية لا تستهدف محتواها الصحفي فقط، بل تستهدف حقها في الوجود والعمل والتعبير في المجال العام، وهو ما يجعل هذا العنف جزءا من منظومة أوسع لإقصاء النساء عن الفضاء الرقمي والإعلامي.
لكن ما حدث لم يبقَ داخل صندوق الرسائل. حذفت سارة المنشور، وتوقفت عن النشاط على وسائل التواصل لأكثر من شهر، ثم عادت تدريجياً وهي تتجنب التعليق على قضايا الرأي العام. كما قللت ظهورها، وبدأت تنجز جزءاً أكبر من عملها من المنزل، وفي كثير من الأحيان من دون استخدام اسمها الكامل.
“أمضيت فترة لم أخرج فيها من بيتي”، تقول سارة، واصفة خوفاً لم يعد مرتبطاً بما يُكتب عنها على الإنترنت فقط، بل باحتمال انتقال التحريض إلى استهداف فعلي لها أو لعائلتها.
ما عاشته سارة لا يقتصر على أثر نفسي أو تغيير في طريقة استخدامها للمنصات، بل هو شكل من أشكال العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي، يستخدم كونها امرأة كسلاح لإسكاتها ودفعها إلى التراجع عن حضورها في الفضاء العام.
قصة سارة ليست قصة معاناة شخصية فقط، بل تكشف أيضا سؤالا أكبر حول مسؤولية المؤسسة الإعلامية: ماذا تفعل غرفة الأخبار عندما تتعرض إحدى صحفياتها لهجوم رقمي بسبب عملها؟ فبينما تجد بعض الصحفيات دعماً أو توجيهاً من الجهات التي يعملن معها، تواجه أخريات الهجوم من دون معرفة ما إذا كانت هناك آلية واضحة للإبلاغ أو جهة محددة مسؤولة عن المتابعة. هذه الفجوة بين وقوع العنف ووجود استجابة مؤسسية كانت محور استبيان أجرته إدلب بلس مع عدد من المؤسسات الإعلامية السورية.
تكرار هذا النمط من الهجمات ضد صحفيات مختلفات يوضح أن الأمر ليس حادثة فردية معزولة، بل جزء من نمط أوسع من العنف القائم على النوع الاجتماعي في الفضاء الرقمي.
المشكلة موجودة… والاستجابة ليست دائماً جاهزة
أظهر استبيان أجرته إدلب بلس مع ست مؤسسات إعلامية سورية، من أصل 11 مؤسسة تمت دعوتها للمشاركة، أن أربعاً من المؤسسات الست سبق أن واجهت حالات تعرضت فيها صحفيات يعملن معها لعنف أو استهداف رقمي مرتبط بعملهن؛ اثنتان قالتا إن ذلك حدث أكثر من مرة، واثنتان أشارتا إلى حالات محدودة.
وتنوعت أشكال الاستهداف التي رصدتها المؤسسات، منها استخدام الإهانات الجنسية، التهديد بالفضح، أو التشويه القائم على النوع الذي يهدف إلى إقصاء الصحفيات من الفضاء العام وتقليص وجودهن في النقاش العام والعمل الإعلامي. هذا النوع من العنف لا يستهدف الفكرة أو التحقيق الصحفي فقط، بل يستهدف حق المرأة في الظهور والتعبير والعمل الصحفي وهذا ليس مجرد خلاف في الرأي أو انتقاد لمحتوى صحفي، بل هو عنف قائم على النوع الاجتماعي يستخدم كون الصحفية امرأة كسلاح لإسكاتها ودفعها إلى الانسحاب من الفضاء العام. فالشتائم الجنسية والتهديدات المرتبطة بجندر الصحفية لا تهاجم رأيها فقط، بل حقها في الوجود والعمل والتعبير.
في الحالات التي يتقاطع فيها العنف الرقمي مع خطاب طائفي، مناطقي، أو سياسي، يمكن الإشارة باختصار إلى أن هذا التداخل يزيد مستوى الخطورة ويجعل دور المؤسسة في الحماية أكثر إلحاحاً، خصوصاً عندما يتحول الهجوم إلى تهديد مباشر لسلامة الصحفية أو خصوصيتها حسب فاطمة الأحمد أخصائية في السلامة الرقمية.
ورغم إقرار غالبية المؤسسات المشاركة بوجود المشكلة، فإن مستوى الجاهزية للتعامل معها لم يكن متساوياً. مؤسستان فقط من أصل ست قالتا إن لديهما سياسة أو إجراءات مكتوبة للتعامل مع هذه الحالات، فيما تعتمد مؤسسات أخرى على إجراءات غير مكتوبة أو تتعامل مع كل حالة على حدة، وقالت إحدى المؤسسات إنها لا تمتلك آلية واضحة حتى الآن.
وتكشف الإجابات أيضاً أن غياب السياسة المكتوبة ليس التحدي الوحيد؛ فقد أشارت المؤسسات إلى نقص الموارد البشرية والمالية، وضعف استجابة منصات التواصل للبلاغات، وصعوبة ضبط التعليقات والمحتوى المسيء. كما برزت الحاجة إلى سياسات داخلية أوضح، وتدريب العاملين، وتحسين الوصول إلى الدعم القانوني والنفسي عند وقوع الهجوم.

وتكشف هذه النتائج أن الفجوة لا تتعلق فقط بوجود سياسة مكتوبة من عدمها، بل أيضاً بشكل الاستجابة نفسها عند وقوع الهجوم؛ فالإجراءات التي تتخذها المؤسسات تختلف من جهة إلى أخرى، كما يختلف مستوى الدعم والجهة المسؤولة عن متابعة الحالة.
وهنا يصبح السؤال الأساسي ليس فقط: ماذا يحدث للصحفية عندما تتعرض للهجوم؟ بل أيضًا: ما هو الحد الأدنى من الاستجابة التي يمكن أن تقدّمها المؤسسة لتقف إلى جانبها بدل أن تتركها وحدها في مواجهة العنف؟
استجابات متفاوتة عند وقوع الهجوم
تكشف إجابات المؤسسات أن الاستجابة للعنف الرقمي لا تسير وفق نموذج واحد. فقد قالت أربع من المؤسسات الست إنها تلجأ إلى توثيق الحادثة وحفظ الأدلة، والعدد نفسه أشار إلى حذف المحتوى المسيء أو الإبلاغ عنه، بينما أفادت نصف المؤسسات بأنها قد تقدم أو تسهّل دعماً قانونياً أو نفسياً أو تقنياً للصحفية. في المقابل، لم تذكر سوى مؤسستين تقييم مستوى الخطر كجزء من الاستجابة.
وتقول إحدى المؤسسات المشاركة، والتي تمتلك إجراءات مكتوبة، إن التعامل مع الحالة يبدأ بحماية خصوصية الصحفية وتأمين قناة آمنة للإبلاغ، ثم تقييم مستوى الخطورة وتوثيق الأدلة الرقمية، قبل تحديد شكل الدعم المطلوب. وقد يشمل ذلك إشراك الإدارة أو القسم القانوني أو الموارد البشرية ومسؤول السلامة الرقمية، إضافة إلى الدعم النفسي أو القانوني بحسب طبيعة الحالة.
لكن هذه الصورة ليست موحدة بين المؤسسات. فقد أشارت مؤسسة أخرى إلى أنها لا تمتلك حتى الآن سياسة مكتوبة للتعامل مع العنف الرقمي، وأنها تسعى إلى تطوير إجراءات مستقبلية وتوفير حد أدنى من المعرفة بالأمان الرقمي للعاملين والعاملات. بالنسبة لها، يشكل بطء الاستجابة وصعوبة الوصول إلى الحماية القانونية جزءاً من التحديات التي تواجهها عند حدوث الاستهداف.
ويظهر التفاوت أيضاً في تحديد الشخص المسؤول عن متابعة الحالات. ففي مؤسستين تقع المهمة على فريق التواصل أو إدارة المنصات، وفي مؤسستين أخريين يتولاها رئيس أو رئيسة التحرير أو الإدارة، بينما تتوزع المسؤولية بين عدة أشخاص في مؤسستين. وهذا يعني أن الصحفية قد تجد نفسها أمام مسار واضح في مؤسسة، بينما تضطر في مؤسسة أخرى إلى البحث بنفسها عن الشخص الذي يفترض أن تتوجه إليه.
ولا تتعلق الفجوة، بوجود سياسة مكتوبة فقط، بل بمدى معرفة الصحفيات بهذه السياسة، وسهولة الوصول إليها، ووضوح الشخص المسؤول عن التحرك عندما يتحول الهجوم من تعليق مسيء إلى تهديد يمس السلامة أو الخصوصية.

ولا يبقى هذا التفاوت مسألة إدارية داخل المؤسسة فقط، بل ينعكس مباشرة على الصحفية نفسها. فحتى عندما تكون هناك إجراءات أو أشخاص يمكن الرجوع إليهم، تصبح فائدتهم محدودة إذا لم تكن العاملات يعرفن بوجودهم أو بالطريقة التي يمكن من خلالها طلب الدعم. وتجربة “نور” تكشف هذه الفجوة من زاوية أخرى.
لم تلجأ نور، وهو اسم مستعار لصحفية تعمل بشكل مستقل مع عدة وسائل إعلامية، إلى أي من المؤسسات التي تكتب لصالحها عندما تعرضت لهجوم رقمي. تقول إنها افترضت منذ البداية أنه لا توجد جهة يمكن أن تساعدها أو تحميها، لذلك اختارت التعامل مع ما حدث بمفردها؛ خففت نشاطها على وسائل التواصل، وتجنبت الظهور العلني أو التعبير عن آرائها في القضايا السياسية.
بدأت تجربتها قبل نحو عام، بعد نشرها مقطع فيديو على صفحتها الشخصية تحدثت فيه عن قضية سياسية. ما بدأ بتعليقات سلبية تحول، بحسب روايتها، إلى تحريض وتهديدات حمل بعضها طابعاً طائفياً ومناطقياً. ومع تصاعد الهجوم، توقفت عن نشاطها لفترة، ثم عادت بحذر أكبر، وأصبحت أكثر تحفظاً في مشاركة المعلومات المتعلقة بها وفي اختيار ما يمكن أن تنشره.
لم يكن لدى نور، كما تقول، مسار واضح تعرف أنها تستطيع اللجوء إليه داخل أي من المؤسسات التي تتعاون معها. والمفارقة أن الدعم الذي حصلت عليه خلال الأزمة لم يأت من مؤسسة إعلامية تعمل لصالحها، بل من فريق دارة سلام الذي كان ينظم تدريباً في الأمن الرقمي شاركت فيه مصادفة خلال فترة الهجوم. قدم لها الفريق دعم قانوني وساعدها في اتخاذ إجراءات لحماية نفسها وحساباتها.
فكرت نور أيضاً في ملاحقة ما تعرضت له قانونياً، لكنها تراجعت. وتقول إن موقف أسرتها، والضغوط الاجتماعية المرتبطة بلجوء المرأة إلى القضاء في مثل هذه القضايا، إضافة إلى شعورها بأن العنف الرقمي لا يؤخذ دائماً بالجدية الكافية، كانت من الأسباب التي دفعتها إلى عدم الاستمرار.
بالنسبة إليها، لا تكمن المشكلة فقط في وجود قانون أو جهة يمكن أن تقدم المساعدة، بل في معرفة الصحفية بهذه الخيارات أصلاً. وتقول إن المؤسسات التي عملت معها لم تقدم لها تعريفاً مسبقاً بما إذا كانت تمتلك آليات للحماية أو بمن يمكن التواصل معه في حال التعرض للتهديد أو التشهير أو الاختراق.
وتتقاطع تجربتها مع نتيجة أخرى ظهرت في استطلاع منفصل أجرته إدلب بلس مع 32 صحفية سورية؛ إذ أشارت ثلاث مشاركات فقط إلى أن المؤسسة الإعلامية التي يعملن معها قدمت لهن دعماً بعد تعرضهن للاستهداف الرقمي. هذه الفجوة بين وجود إجراءات داخل بعض المؤسسات وبين وصول الدعم فعلياً إلى الصحفيات تضع مسألة التواصل الداخلي ووضوح مسار الإبلاغ في صلب الاستجابة، لا على هامشها.
الحد الأدنى من الاستجابة المؤسسية
وجود سياسة مكتوبة لا يعني وحده أن المؤسسة قادرة على التعامل مع حالات العنف الرقمي بفعالية. فسرعة الاستجابة، وتحديد مستوى الخطر، ومعرفة من يتولى المتابعة، كلها عوامل قد تكون حاسمة عندما يتطور الهجوم من تعليقات مسيئة إلى تهديد أو ابتزاز أو اختراق للحسابات.
وتوضح فاطمة الأحمد، المدربة والخبيرة في السلامة الرقمية، أن الخطوة الأولى عند وقوع الاستهداف هي الحفاظ على الأدلة وعدم الاكتفاء بحذف المحتوى المسيء، من خلال توثيق الرسائل والمنشورات والتهديدات ومحاولات الابتزاز، بالتوازي مع حماية الحسابات والبيانات الشخصية للصحفية.
وفي الحالات التي تتضمن اختراقاً أو محاولة للوصول إلى معلومات خاصة، تصبح الاستجابة التقنية أكثر إلحاحاً، عبر تأمين الحسابات وتغيير بيانات الدخول واستعادة السيطرة عليها، والاستعانة بجهات متخصصة عند الحاجة. لكن الأحمد ترى أن هذه الإجراءات لا ينبغي أن تبقى مسؤولية الصحفية وحدها، خصوصاً عندما يكون الاستهداف مرتبطاً مباشرة بعملها المهني.
ويفترض، بحسبها، أن تمتلك المؤسسة إجراءات واضحة تحدد كيفية استقبال البلاغ، ومن يتولى تقييم مستوى الخطر ومتابعة الحالة، إلى جانب توفير دعم تقني وقانوني ونفسي عند الحاجة. كما يشمل دور المؤسسة تدريب العاملين والعاملات على أساسيات السلامة الرقمية، وتأمين الأجهزة والأنظمة والبيانات الحساسة التي قد يؤدي اختراقها إلى تعريض الصحفية أو مصادرها لمخاطر إضافية.
وتشير إجابات المؤسسات المشاركة في استبيان إدلب بلس إلى أن بعض هذه الإجراءات موجود بالفعل لدى عدد منها، لكن بصورة متفاوتة؛ فالتوثيق والإبلاغ عن المحتوى المسيء كانا من أكثر الإجراءات شيوعاً، بينما ظهر تقييم مستوى الخطر في عدد أقل من الإجابات. ويعكس هذا التفاوت غياب نموذج موحد للاستجابة، ويجعل مستوى الحماية الذي تحصل عليه الصحفية مرتبطاً إلى حد كبير بالمؤسسة التي تعمل معها ومدى جاهزيتها.
وقد تحتاج بعض الحالات أيضاً إلى إحالة قانونية متخصصة، خصوصاً عندما يتضمن الاستهداف تهديداً أو ابتزازاً أو نشر معلومات شخصية، لكن مسؤولية المؤسسة لا تتوقف عند الإحالة، بل تشمل مساعدة الصحفية على الوصول إلى هذا الدعم ومتابعة الحالة.
يمكن أن تشمل الاستجابة المؤسسية الفعّالة للعنف الرقمي ضد الصحفيات الخطوات الآتية:
– قناة إبلاغ واضحة وآمنة: أن تعرف الصحفية مسبقاً من هي الجهة أو الشخص داخل المؤسسة الذي يمكن أن تتواصل معه بسرية عند تعرضها لهجوم.
– توثيق منهجي للهجوم: حفظ لقطات الشاشة، الرسائل، الروابط، والتواريخ قبل حذف أي محتوى مسيء، مع تخزينها في مكان آمن.
– تقييم مستوى الخطر: التمييز بين تعليقات مسيئة، تهديدات مباشرة، محاولات ابتزاز، أو تهديدات قد تمتد للعائلة، ثم اتخاذ إجراءات متناسبة مع كل مستوى.
– دعم تقني لحماية الحسابات: تغيير كلمات السر، تفعيل التحقق بخطوتين، مراجعة صلاحيات الدخول، والاستعانة بخبير/ة تقني/ة عند الحاجة.
– إتاحة دعم قانوني ونفسي: تسهيل وصول الصحفية إلى استشارة قانونية أو دعم نفسي، وعدم الاكتفاء فقط بإعطائها رقم جهة خارجية، بل متابعتها والتأكد من أنها حصلت على المساندة التي تحتاجها.
– تدريب الفريق وتوضيح الإجراءات مسبقا: وجود سياسة مكتوبة ومعلنة للعاملين والعاملات، بحيث لا تكتشف الصحفية هذه السياسة لأول مرة بعد الهجوم.
وجود هذه الإجراءات على الورق لا يكفي وحده إذا لم تكن الصحفيات يعرفن بوجودها، ولا يعرفن من المسؤول عن تنفيذها، وكيف يمكن الوصول إليه عند الحاجة.
الحماية تبدأ قبل وقوع الهجوم
تجربتا سارة ونور تكشفان أن العنف الرقمي لا يضع الصحفية وحدها أمام اختبار السلامة، بل يختبر أيضاً جاهزية المؤسسة التي تعمل معها. ففي الوقت الذي تمكنت فيه سارة من الوصول إلى جهة قدمت لها دعماً نفسياً ونصائح للتعامل مع ما تعرضت له، لم تكن نور تعرف منذ البداية إن كانت المؤسسات التي تتعاون معها تملك أصلاً مساراً يمكن أن تلجأ إليه.
وتظهر نتائج استبيان إدلب بلس أن هذه الفجوة ليست فردية؛ فبينما أقرت غالبية المؤسسات المشاركة بأنها واجهت حالات استهداف رقمي ضد صحفيات يعملن معها، لم تقل سوى مؤسستين من أصل ست إن لديهما سياسات أو إجراءات مكتوبة للتعامل معها. وحتى عندما توجد بعض الإجراءات، يبقى وضوحها للعاملات وتحديد الشخص المسؤول عن تنفيذها جزءاً أساسياً من فاعليتها.
لا تستطيع المؤسسة الإعلامية منع كل حملة تشهير أو تهديد أو تحرش رقمي، لكنها تستطيع أن تحدد مسبقاً كيف ستتعامل معها: من يستقبل البلاغ، من يقيّم مستوى الخطر، كيف تُحفظ الأدلة، وكيف تحصل الصحفية على الدعم التقني أو النفسي أو القانوني عند الحاجة.
فالحماية المؤسسية لا تبدأ عندما تصل التهديدات إلى صندوق الرسائل، بل قبل ذلك، عندما تعرف الصحفية أن هناك جهة واضحة داخل مكان عملها يمكنها اللجوء إليها، وأنها لن تضطر إلى مواجهة الاستهداف وحدها.